صفحات سورية

صفحات السياسة, آراء وقضاياOctober 14, 2007 4:56 pm


برهان غليون

1- العلمانية كظاهرة تاريخية

لا تكاد العلمانية تحقق أي تقدم في الحياة الاجتماعية العربية، لا على مستوى النظرية ولا على مستوى الممارسة، في الوقت الذي لا تكف فيه الفكرة الدينية، بأشكالها الأشد أصولية واحيانا تطرفا وعنفا، عن توسيع دائرة نفوذها واكتساح حقول جديدة من الممارسة المجتمعية، الفكرية والسياسية والاقتصادية. وربما ترجع هذه المراوحة في المكان، إن لم نقل الانحسار للفكرة العلمانية، في جزء كبير منها، إلى أسلوب تناولها من قبل أنصارها، على المستوى الفكري والسياسي على حد سواء. فهي لا تزال تطرح في الأدبيات السياسية والفلسفية الحديثة من زاوية ما تعبر عنه من قيم ومباديء سياسية ايجابية تتعارض مع متطلبات العديد من النصوص والممارسات الدينية السائدة، ونادرا ما يتجاوز الأمر ذلك إلى دراسة مساراتها العملية في سبيل الكشف عن معيقاتها، - التي لا تقتصر بالضرورة، ولا حتى بالدرجة الرئيسية، على العوامل الدينية، - وتعيين العوامل المساعدة على انتشارها، ووسائل العمل من أجل تحريرها من تناقضاتها وتعزيز قدراتها وفرص تطويرها.

أما على المستوى السياسي، فلا يتمتع المنادون بالعلمانية بأي رؤية مستقلة أو برنامج عمل خاص، يتيح لهم التأثير في مسار الصراع السياسي، والخروج من دائرة التجاذبات التي تتعرض لها قضية العلمانية، سواء أجاء ذلك على يد القوى الرسمية الحاكمة التي تستخدم التمسح بها كذريعة لمنع الانفتاح السياسي، أو على يد المعارضات المختلفة المتنازعة على تحديد موقعها ومكانتها في دائرة التحالفات المعقدة التي تسعى لبنائها في وجه السيطرة الطاغية للسلطة الأمنية. وأقصى ما يطمح إليه العلمانيون المخلصون لقضيتهم اليوم الاتحاد في جمعية مدنية تمكنهم من تطوير تفكير جدي ومعمق بمسائل نشر العلمانية وتجذيرها في تربة تتعرض أكثر فأكثر للتفتت والانجراف في اتجاه المواقف الأصولية الدينية.

ويبدو لي أن من الصعب إخراج القضية العلمانية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه من دون تغيير في منهج تناولها، والانتقال من المقاربة الايديولوجية السائدة إلى المقاربة التاريخية والنقدية معا. وتقتضي هذه المقاربة في نظري التمييز منذ البداية بين العلمانية كمفهوم سياسي يشير إلى رؤية ايديولوجية لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين المؤسسة الدينية والدولة في العصر الحديث، بمفهومها المواطني الجديد، والعلمنة كمفهوم علمي يعنى بوصف مسار أو مسارات تاريخية متباينة ومتعدد للوصول إلى ما تشير إليه العلمانية أو تهدف إلى تحقيقه، في سياق تكوين الدولة الحديثة وتعميم نموذجها، والذي لا يشكل موضوع استقلال السلطة الزمنية عن السلطة الدينية إلا أحد أبسط مشكلاته. بل ليس هذا الاستقلال نفسه إلا أحد منتجات إشكالية تتجاوز مسألة الفصل بين السلطات وتعنى بإعادة بناء النظام الاجتماعي العام برمته، ومن ضمنه العلاقة بين السياسة والعقيدة، بما يتطلبه ذلك من ضرورة مراجعة مفهوم السياسة وتأسيس موقف نسبوي في المعرفة أيضا .

ولا أبالغ إذا قلت إن أكثر ما أساء إلى مسألة العلمانية في الدائرة العربية هو تحويلها إلى مسالة شكلية تتعلق بالمقابلة بين صيغتين جاهزتين وكاملتين لعلاقة الدين بالدولة، وجعل الاختيار بينهما معيارا للأخذ بالحداثة والمدنية أو السقوط في البريرية. والحال ليست العلمانية مسألة رياضية تقف فيها نظرية السلطة الزمنية المثالية في مواجهة نظرية السلطة الدينية أو اللاهوتية الرديئة. إنها مسألة عملية، أي تتعلق بتحول تاريخي يمس وعي المجتمعات وبنياتها وأساليب تنظيمها، ويخضع بالضرورة لشروط وعوامل متبدلة ومتغيرة بتبدل البيئة الاجتماعية وتغير الظروف التاريخية لنشوء الدولة الحديثة وطبيعة هذه الدولة. وبالرغم من أن هذا التحول ينطوي على عناصر أساسية مشتركة هي التي تجعل منه ميدانا للدراسة المقارنة وموضوعا لمقاربة علمية، إلا أنه لا يختصر فيها. فنزوع المجتمعات المختلفة إلى تبني معايير وقيم وقواعد عمل متشابهة في التنظيم المدني والسياسي، ما يشكل أساس الاندراج في الحضارة وتجنب التهميش والخروج من التاريخ، يجد حدوده وأشكاله المتعينة والمشخصة في الشروط الخاصة لهذا الاندراج، والموارد المادية والمعنوية التي يتمتع بها كل واحد من هذه المجتمعات. ولذلك لا يمكن أن يخضع هذا التحول في اتجاه العلمنة لنموذج واحد ولا أن يكون متماثلا حتى لو كان له المضمون، أو بالأحرى المغزى، الواحد ذاته.

يدعونا هذا بالضرورة إلى التمييز داخل السيرورة العلمنية بين ما يشكل جوهر التحول التاريخي الذي تشير إليه، وينطبق على المجتمعات المندرجة في السيرورة الحضارية الواحدة، وما يشكل خصائص ذاتية نابعة من الظروف الخاصة لهذا الاندراج. فمن حيث هي اتجاه قاهر، وبالتالي موضوعي، لتسويد القيم الدنيوية المتعلقة بتحسين شروط الحياة الانسانية على الأرض، وبالتالي لتقديم الرأي على النقل، في المعرفة الدينية والزمنية معا، تشكل العلمنة اتجاها عاما موضوعيا لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يخلو منه من دون أن يدين نفسه بالهامشية التاريخية أو يعرض حداثته نفسها للاضطراب والتشويه. ومن حيث هي تجارب محددة لتجسيد هذا النزوع التاريخي والموضوعي في الواقع العيني، تشكل العلمنة ميدان تجلي مسارات متميزة، تعكس خصائص المجتمعات وشروط اندراجها التاريخية في الحداثة، أي في حضارة عصرنا، ودرجة تمثلها لمعاييرها، والسياقات التي حكمت مسيرتها، والصراعات الداخلية التي ثارت بموازاتها. هذا هو جانبها الخصوصي الذي يرتبط بكل مجتمع ويشكل جوهر تجربته التاريخية الحية أيضا.

ولهذا لا يقود المنهج السائد في الأدبيات العربية والغربية معا والقائم على تطبيق مفهوم العلمانية كما ظهر وتبلور في المجتمعات الغربية، لمعرفة ما إذا كانت هذه المجتمعات تتطابق مع النموذج النظري السائد أم لا، إلى أي معرفة ناجعة او جديدة، ولكنه يعيد اكتشاف ما هو معروف أصلا من أن المجتمعات غير الغربية لم تنتج النموذج الغربي للعلمانية والحداثة، ويغطي على المطلوب الأول وهو فهم خصوصية التجارب غير الغربية في طرق باب الحداثة وتمثل قيم العلمنة التاريخية. وبالعكس يتطلب توسيع دائرة معرفتنا بالحداثة، والعلمانية التي تشكل إحدى سيروراتها الرئيسية، دراسة التجارب التاريخية المختلفة والخاصة، وإظهار كيف حاولت المجتمعات المنتمية لدوائر حضارية متميزة، أن تجيب على تحدي الحداثة، وما هي الحلول التي قدمتها لمسألة العلمنة أو التي أخفقت في تقديمها. فبذلك نستطيع أن نساهم في بناء معرفة أكثر تعبيرا عن الواقع المتعدد والمتنوع، وأن نعيد في الوقت نفسه بناء مفهوم للعلمانية أكثر كونية وعمومية، يأخذ بالاعتبار الابداعات الخاصة بالتجارب التاريخية المختلفة.

بدل التثبت على التجربة التاريخية للمجتمعات الغربية،- التي لا يميزها تراث المسيحية وفصلها الضمني المفترض بين السلطة الزمنية والروحية فحسب، كما نميل إلى الاعتقاد عادة عندما تثار مسائل التمايزات الثقافية، وإنما أكثر من ذلك وأهم من ذلك، تراث الفلسفة العقلية، وما يرتبط به من أنماط خاصة بالمعرفة، التأملية والتجريبية معا، من دون الحديث عن ظروفها التاريخية - ينبغي توسيع دائرة النظر والمقارنة لتشمل مجتمعات الصين الكونفوشيوسية والهند البوذية ومعهما اليابان، وكذلك إلى حد كبير المجتمعات الروسية ومجتمعات أمريكا الشمالية والجنوبية. فلكل من هذه المجتمعات، حسب تجربتها التاريخية وتراثها الفكري الروحي والزمني، مسارها الخاص في التقدم نحو الحداثة، وبالتالي في حل الإشكالات التي تطرحها العلمنة، والتي تشكل العلمانية التعبير النظري والايديولوجي عنها، كما تبلورت في التجربة الأوروبية والمجتمعات الغربية. وسنكتشف عندئذ مسارات متعددة ومتميزة لإعادة تشكيل القيم الاجتماعية من منطلق التحول نحو العلمانية، على درجة أو أخرى من الاكتمال أو النقص أو الإعاقة والتخبط والانسداد. ولن نجد أبدا نظما اكتملت فيها عملية التحول التاريخية وأصبحت صيغها مثالا للعلمانية وأخرى مفتقرة كليا للتحول ومنتجة أبدية لصيغ النظم الدينية واللاهوتية. ما سنقع عليه هو أنماط وأشكال لا تنتهي من التوليفات المتباينة المتسقة والأقل اتساقا بين قيم وممارسات وأشكال تنظيم تتبع لمرجعيات مختلفة ومتعددة يستدعي تطويرها تحليل كل منها بدقة وعمق لكشف ما يعيق تقدمها.

وترتبط بهذه المقاربة المنهجية بالضرورة مراجعة المفهوم المبسط الذي سيطر ولا يزال يسيطر على الفكر السياسي العربي واضعا العلمانية في مواجهة الدين أو في تناقض معه. والحال أن العلمانية لا تتقدم على حساب تجريد الدين من صدقيته وحرمانه من هامش مبادرته واستقلاله، كما يعبر عنهما وجود سلطة دينية ذات صدقية ودور ومكانة في النظام العام، وإنما من خلال تعميق الانسجام والتفاهم داخل النظام المجتمعي العام نفسه بين سلطات تعترف كل منها بالأخرى وتحترم صلاحياتها وسلطتها. ومن دون ذلك لن يكون المجال العام إلا نهبا للفوضى والاقتتال والنزاع بين أفراد وجماعات لا تحظى بثقتهم وولائهم الفعلي أي سلطة تدعي السيطرة الكلية، سياسية كانت أم علمية أم دينية. فهي تشير إلى علاقة بين سلطات لا بين أفكار وقيم. وهذا هو المقصود من عبارة فصل الدين عن الدولة السيئة الحظ. فكي ما تكون هناك سلطات متعددة وقادرة على التفاعل والتوصل إلى قواعد ثابتة للتعامل في ما بينها، ينبغي أن تتحدد مجالات عمل خاصة بكل منها، وأن يسمح لها بأن تحدد هي نفسها، من داخل منطق عملها، القواعد التي تحكم ممارساتها والنظم التي تحدد سبل التقدم والارتقاء إلى مناصب المسؤولية، والقرار الذي يخصها. من دون ذلك لا يكون هناك نظام اجتماعي ولكن فوضى عارمة ومستمرة .

2 - مفهوم العلمنة

ما العلمنة؟ إنها ببساطة تحول مركز التطلعات البشرية، بموازاة صعود النزعة الانسانية، من القيم اللاهوتية المتركزة على ضمان الحياة الآخرة، إلى القيم الدنيوية المتمحورة حول تحسين شروط الحياة الانسانية على الأرض وفي الدنيا. وهذا ما يجعل الإنجازات الدنيوية مصدرا للسعادة والنجاح لدى الأفراد، سواء أكانت مادية تتعلق بتأمين رفاه الفرد، أو معنوية تشير إلى تطور منظومة الحقوق والحريات التي تؤمن احترام الفرد كذات مستقلة، وتقدم له ضمانات قانونية لممارسة هذا الاستقلال، من أمن وسلامة بدنية واعتراف بالأهلية السياسية والمسؤولية والحصانة الأخلاقية. وينجم عن ذلك تبدل في نمط إنتاج البشر، وأسلوب تنظيمهم الجماعي، وإعادة توزيع للجهد والعمل، النظري والعملي، وتنظيم ميادينه أيضا بطريقة مختلفة عن تلك التي سادت في القرون الوسطى السابقة التي سيطرت عليها، في العالم أجمع، وفي منطقة الأديان السماوية بشكل أوضح، القيم وموضوعات الانتاج اللاهوتية المنتجة للتطلعات الأخروية. فالعلمنة هي جزء من الحداثة وشرط مرافق لنشوء ما يسميه المتدينون أنفسهم الحضارة المادية. لكن الحضارة المادية لا تعني كما يعتقدون سيطرة القيم المادية المتعلقة بإرضاء الحاجات الجسدية. هذا هو الشكل المنحط للانتقال نحو الحضارة الحديثة كما يمكن ببساطة أن نعاينه في مجتمعاتنا. إنه يفترض قبل ذلك نشوء قيم إنسانية يقع في مركزها احترام الانسان الفرد لذاته، مهما كان أصله وموقعه ومركزه، وبصرف النظر عن إسمه ولقبه وعلمه ودينه وعشيرته، والنظر إليه بوصفه موطن وعي أصيل، أي قادر على التأمل والتفكير الحر، وبالتالي المستقل، المتجدد والمجدد والمبدع معا. فهو بلغتنا الكلاسيكية مخير لا مسير. والنظر إليه بوصفه موطن إرادة وقرار، وبالتالي مسؤول عما يحصل له وشريك في أي قرارات تمس مصير الحياة الجماعية.

وينجم عن وضع الانسان ومكانه في مركز اهتمام النظام العام وكغاية رئيسية له، أي في مركز اهتمام الدولة، وبالتالي الثقافة والتربية والقانون والسياسة والانتاج، تقديم الرأي الذي هو التعبير عن فكر الفرد وأهليته وقدرته على المشاركة في الحياة العمومية، على النقل باعتباره وسيلة لإعادة إنتاج النظم والأنماط القديمة وضمان استمرارها. لذلك ارتبطت حضارة الرأي بالتجديد والابداع، كما ارتبطت حضارة النقل بسيطرة التقليد وتعظيم الاتباع. ولا يقتصر تقديم الرأي على النقل على ميادين الانتاج والنشاط الجديدة الناشئة في حضن الحضارة الحديثة ولكنه يشمل أيضا ميدان الدين . وهو ما يفسر حركات الاصلاح التاريخية التي نشأت في صلب الأديان الكبرى. وتوحي سيطرة الرأي والاستخدام المعمم للعقل وانتشار الفلسفات العقلانية والوضعية التي تشكل جزءا لايتجزأ من هذه الصيرورة كما لو أن الأمر يتعلق بانتقال العديد من النشاطات المجتمعية التي كانت تعتمد في تحصيل مبادئها أو ممارستها على المنظورات والمفاهيم والمعارف الدينية، من ميدان إشراف الدين وسلطته الاتباعية المرتبطة بالوحي، إلى ميدان إشراف العقل وسلطته النظرية المرتبطة بنظم تحصيل المعرفة الإجرائية والنقدية. ويبدو كما لو ان الدين يفقد سيطرته على ميادين كان يسيطر عليها لصالح العقل، والواقع أن الأمر يتعلق أكثر من ذلك بانقلاب عميق في نظم المعرفة والسلطة والانتاج معا، أي بنشوء نمط جديد للانتاج المادي والمعرفي وبالتالي للحياة، ويفرض على جميع الأنماط الأخرى القديمة الدينية وغير الدينية التوافق مع الأمر الواقع الجديد. ولا يتبع هذا التوافق الإرادة الذاتية وإنما هو ثمرة طبيعية وتلقائية لنشوء نظام مجتمعي جديد، بما في ذلك الدولة والمجتمع المدني، يختلف عن السابق في طبيعة مؤسساته وقواعد عمله وقيمه السائدة معا، هو النظام الحديث، أو هو بالنسبة للمجتمعات المتأخرة ثمرة الاندراج الواعي وغير الواعي في تاريخ الحداثة والدخول فيها.

وعندما نقول بأن العلمنة جزء لا يتجزأ من الصيرورة الحضارية الحديثة فهذا يعني أنه ليس من الممكن تصور دولة حديثة أو قيامها من دون مباديء فصل السلطات وضبط المسؤوليات ونشوء بنية مؤسسية تفصل بين السلطة مهما كان مستوى ممارستها والعلاقات الشخصية. وليس من الممكن كذلك وجود اقتصاد رأسمالي اعتمادا على المفاهيم الاقتصادية والمالية القديمة المستمدة من المعرفة الدينية أو الفقهية، مثل مفاهيم الربا والخراج والزكاة والصدقة إلخ. وليس من الممكن تطوير العلم من حيث هو بناء لمنظومة معرفة إجرائية، منظمة، باستلهام منوال الفقه، أي استنباط الأحكام من مصادرها الشرعية وأصولها الدينية، وتأويل الآيات والأحاديث والقصص الديني. فالمعرفة العلمية تفترض بالضرورة بناء المعرفة الاختبارية النابعة من الاحتكاك بالواقع العيني والقائمة على التحقق التجريبي من النتائج ونقدها وتمحيصها، على حساب المعرقة النقلية والإلهامية. وليس من الممكن كذلك بناء مجتمع حديث، سياسي، يتمتع فيه الفرد بالأهلية السياسية ويشارك بروح المسؤولية في تقرير شؤون الجماعة على أساس مفهوم الراعي والرعية والطاعة الأبوية أو الدينية.

ومن حيث هي عملية تاريخية موضوعية، ترتبط العلمنة إذن بمسار الحداثة وتواكبها. وليس هذا المسار واحدا ولا متساويا في النمو في جميع المجتمعات والمناطق والحالات. فهي تعكس في بنيتها ودرجة اكتمالها أو قصورها، مستوى تقدم عملية بناء المؤسسات الحديثة وأنماطها. لذلك لا يمكن أن يكون للعلمنة مسار واحد وإنما مسارات ونماذج متعددة. فقد تتحقق بآلية سريعة أو بطيئة، تدرجية أو كلية، عبر سياسات إصلاحية هادئة أو من خلال تحولات ثورية عنيفة. ويمكن أن تحصل في إطار من الاتساق والانسجام أو في مناخ تناقض وتصادم داخل مستويات النشاطات وفي ما بينها. ويمكن أن تحصل على مستوى نشاط واحد أو أكثر، أو أن تكون مشوهة أو منقوصة أو هشة ومترددة. كما يمكن أن يتعرض مسار العلمنة إلى انحرافات أو انزياحات أو تشكيلات مفارقة ومخادعة. وأخيرا يمكن أن تنتج العلمنة وعيا بذاتها ينعكس على الممارسة الاجتماعية ويساعد على اكتمالها وشفافية طرحها، وهو ما تشير إليه العلمانية كتعبير ذهني ونظري عن سيرورة العلمنة، ويمكن أن يبقى مسارا موضوعيا لا واعيا تفتقر فيه الممارسة العملية إلى تعبيرها النظري المنظم، من دون أن يلغي ذلك وجودها . كل هذا يشكل عناصر تشير إلى البعد الخصوصي للعلمنة، أي خصائص تحقيقها في المجتمعات ذات الظروف والموارد المختلفة. فالبعد الكوني للظاهرة يتعلق بتحديد اتجاه التاريخ، ومغزى الحداثة، أي مجموعة القيم التي تمثلها، وتتجسد فيها، أما بعد الخصوصية فيتعلق بتحديد الصورة التي تتحقق فيها هذه القيم في الواقع العيني، ومدى التقدم في انتشارها والتوسع في دائرة نفوذها وشمولها نشاطات الحياة الاجتماعية المختلفة، بما في ذلك الدين نفسه.

ينجم عن هذا التحليل أن العلمنة، بعكس ما يفهم منها عادة، لا تعني فصل الدولة عن الدين، كما كرست ذلك التجربة الفرنسية المتطرفة، وإنما تحقيق التوافق بينهما بعد أن أحدث نشوء دولة حديثة، قائمة على المباديء السياسية الجديدة التي تعطي للفرد مكانة أساسية في بناء النظام أو المنتظم الاجتماعي، قطيعة تاريخية مع المفاهيم والقيم الدينية المتعلقة بتنظيم شؤون الجماعة المدنية . وليس الأسلوب الناجع لتحقيق التوافق من جديد بين الدين والدولة، أي بين اعتقادات السكان الأفراد ومؤسساتهم السياسية، تهميش الدين أو نفيه أو فصله وإخراجه من المجتمع، وإنما إعادة تقريب القيم القديمة التي ارتبطت بالدين، أو انبثقت عن فهمه في حقبة ماضية، من القيم التي بثتها الثورة السياسية او السياسة الحديثة القائمة على استقلاليه الفرد وتنمية حكمه العقلي ومبادرته وسيادته الشخصية. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون بناء نظام الحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية. ومن هذه الزواية يصبح التجديد أو الاصلاح الديني شرط مصالحة المجتمع مع تاريخه وتراثه، ومصالحة الفرد المؤمن أيضا مع حضارته. وبالتالي شرط بناء حياة عمومية صحيحة وسليمة ومرضية. وعكس ذلك، أي البقاء على مستوى عزل الدين أو إبعاده عن السياسة والدولة، بصرف النظر عن خياراته وخيارات السلطة الدينية، لا يعني سوى إشعال فتيل حرب تاريخية بين الدين والمتدينين من جهة وبين الدولة والسياسة والسياسيين من جهة ثانية. واستمرار مثل هذه الحرب يفترض أن فصام الدولة أو انفصالها عن المجتمع وقدرتها على العيش والبقاء بالرغم من إرادة أغلبيته المتدينة، أو يفترض قدرة السلطة السياسية على إجبار المجتمع على التخلي عن اعتقاداته الدينية أو إخفائها. قد يحدث هذا لبعض الوقت بفضل العلاقات الامبريالية التي تميز عالمنا وتسمح لفئات ضيئلة، لا تمثل الأمة، أن تفرض حكمها الجائر على المجتمع بفضل ما تحظى به من دعم خارجي. لكن كما أظهرت التجربة الشيوعية السوفييتية التي كانت أقوى مثال على العلمانية الايديولوجية، لا يمكن لهذا أن يستمر إلى ما لانهاية. ولا أمل لأي سلطة في الاستقرار التاريخي من دون أن توفق بينها وبين قيمها من جهة والمجتمع وقيمه من جهة ثانية .

الواقع أن العلمنة لا تحتاج كي تفرض نفسها إلى معاداة الدين أو إزاحته من الوجود، ولا إلى قوة السلاح حتى توجد. إنها تخترق الدين نفسه، سلطة وقيما وفلسفة في الوقت نفسه، كما تخترق مجالات الممارسة الاجتماعية الأخرى. وهذا ما بينته تجارب المجتمعات الآسيوية والأفريقية والعربية الاسلامية. فلم يحتج انتشار القيم العقلية الحديثة في صلب العقائد والتقاليد الدينية لعلمانيين مسبقي الصنع يدخلونها من الخارج. لقد جاءت من داخل الدين نفسه، على يد دعاة الاصلاح من رجال الدين الذين أدركوا، بدافع الغيرة على الدين، أن ترك الأمور كما هي، وعدم التدخل لإعادة تأويل النصوص ونقد الأعراف الدينية العتيقة، يعني تعريض العقيدة الدينية للانهيار أو التهميش أمام طوفان التمدن الجارف. وهكذا قاموا هم أنفسهم بالجهد المطلوب الذي لم يكن له في الواقع سوى مضمون واحد أساسي هو علمنة الدين، أي إعادة تعريف دوره وصلاحياته في النظام الجديد وإدخال مبدأ الرأي - والاجتهاد بوصفه التعبير عن أسبقية إعمال الرأي في الدين- إلى ميدان العقيدة الدينية، مع ما يستدعيه ذلك من إدانة التقليد وشجب الاقتداء والتأكيد على أولوية العقل على النقل، حتى في تفسير النصوص الدينية، والاعتراف بتعدد الآراء والمواقف والاجتهادات، وبالتالي تقرير مبدأ التسامح والاحتكام للعقل ورفض التكفير.

هذا ما قام به رجال الاصلاح المسلمون بجرأة واقتدار، منذ أواخر القرن التاسع عشر. ونجحوا من خلاله في إحداث قطيعة حقيقية مع المفهوم التقليدي للدين ومع تراث الفقه القديم أيضا، وإعادة تأويل القيم والمفاهيم الدينية من وجهة نظر ليبرالية. وكان هذا أساس العودة إلى التوافق بين قيم الدين وقيم الدولة الحديثة، كما عرفناها خلال النصف الاول من القرن العشرين، في معظم بلاد العالم العربي، في نموذجها الليبرالي. وهو ما جنب المجتمعات الاسلامية معارك الصراع بين الدين والدولة من جهة، ووفر لها أرضية فكرية صالحة لنشوء نخب وطنية أصيلة وفاعلة، مستقلة الفكر وموحدة الإرادة، تجمع في عقيدتها وممارستها وعلاقاتها الاجتماعية بين الانتماء العميق، عبر التراث الديني المصلح بشكل خاص، للمجتمعات التي تنتمي إليها، والاعتقاد الذي لا يقل قوة بقيم الحداثة الليبرالية وفائدة الأخذ بها من قبل البلدان الاسلامية. وعلى هذا الأساس من الانسجام والتفاعل بين الخميرة الذاتية للمجتمعات والمكتسبات الفكرية والعلمية للحضارة، أمكن لهذه النخب أن تنشيء قوى وأحزابا وتيارات سياسية قوية ساهمت في تحقيق الاستقلال وبناء نواة الدول الحديثة وبناء أسس الاقتصاد الرأسمالي الجديد.

هكذا تشير العلمنة إلى تحول المجتمعات التاريخي نحو أنماط جديدة او حديثة للتنظيم الاجتماعي والسياسي، نتج عنها في الواقع دولة حديثة خاضعة لأعضائها ومعبرة عنهم، أي معنية بالدرجة الرئيسية بتحسين شروط حياتهم على الأرض، لا تأكيد ولاءهم أو انتمائهم ونسبهم لملك السماء وتسديد دينه عليهم. وهو ما يفسر الحاجة إلى تطوير آليات التنظيم المعتمد على العقل والرأي، بما يشير إليه من قيم ومفاهيم النجاعة والفعالية وحسن الأداء. وهذا هو الأصل في نشوء الفكرة الايجابية عن الدولة الحديثة بوصفها أداة لتقدم المجتمع والارتقاء به، وفي ربط السياسة، التي تحدد جدول أعمالها وتشكل محركها، بالممارسة العقلية المفتوحة على كل أنواع المراجعة والمساءلة والانتقاد. ولا ينبغي أن نفهم من التفكير العقلي أو التنظيم العقلي، أو الممارسة العقلية، أو استخدام الرأي، عوض النقل، على أنه رديف الصحيح والصالح دائما بالضرورة. فعكس ذلك هو الصحيح. إنه يعني الاعتراف بنسبية المعرفة وإمكانية الخطأ، ومن وراء ذلك قابلية هذه المعرفة النسبية، وبسبب نسبيتها ذاتها، للإصلاح والتحسين باستمرار، بقدر ما يخضع فيها عمل العقل لنقد العقل ويتبرأ مسبقا من أي تقديس.

ولم يحصل هذا التحول في اتجاه إعمال العقل وتأكيد أسبقيته في تنظيم كل ما له علاقة بالشأن العام، في جميع التشكيلات الاجتماعية التاريخية، من خلال نقد الدين، ولم يجر دائما إلى صدام مع رجال الدين، كما كان الحال في أوروبة، وربما في فرنسا بشكل رئيسي. لقد حصل ذلك فقط في الحالات التي وقفت فيها السلطة الدينية، وهنا الكنيسة، موقفا معاديا للتحول الاجتماعي بأكمله. ولم يكن ذلك بسبب ضيق المفاهيم والأفكار الدينية أو انغلاقها وتكورها على نفسها، وإنما نتيجة تحالف طبقة الاكليروس كشبكة مصالح اجتماعية مع الطبقة الارستقراطية المسيطرة، ودفاعها عن مواقعها في النظام المجتمعي، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبالعكس ستلعب السلطات الدينية دورا بارزا في تمهيد سبل الحداثة، في معظم بقاع العالم، ومنها البلدان العربية والاسلامية، بانخراطها في معركة التحرر من الاستبداد، وخوضها الطوعي لمعركة الاصلاح الديني داخل المؤسسة الدينية القديمة، وتواصلها مع مجتمعاتها في مواجهة الطغيان الداخلي والخارجي .

والواقع أن بروز تيارات الاصلاح في أوساط السلطة الدينية قد حصل بموازاة بروز تيارات الاصلاح في حضن السلطة السياسية وانقسام النخب الاجتماعية. ولم يكن هناك سبب يجعل هذه التيارات تخشى الاصلاح. بل لقد مالت في أغلبها إلى الموقف الإصلاحي ردا على التحديات الخارجية وفي سبيل تجنب السيطرة الأجنبية. وقد قدمت لها قضايا مواجهة الاستعمار الغربي فرصة كبيرة لإعادة تثمين نفسها ورأسمالها الديني نفسه وتجديد دورها وتعزيز مركزها الاجتماعي. وهكذا لم يعن التأويل الجديد للدين بالنسبة لها تهميش الدين أو تهميشها هي نفسها في النظام العام، وإنما إعادة توجيه الموارد الروحية أو الرأسمال الرمزي الاجتماعي، نحو المطالب الاجتماعية الجديدة، وتوظيفها في المجالات التي تجعل الدين، وبالمناسبة هي أيضا، يساهم بشكل أكبر في تحقيق المصالح العامة كما بدت لها في ذلك الوقت، سواء أتمثلت هذه المصالح في تحرير الشعوب من الاستبداد أو تعزيز الدفاع ضد مخاطر الهيمنة الأجنبية أو مقاومة الاستعمار. ولم يمكنها ذلك من المشاركة بقسط أكبر في تقرير مصير المجتمعات، وفي الحياة العمومية، وبالتالي السياسية بالمعنى الواسع للكلمة، أي من حيث هي بناء للنظام العام، ولكنه ساهم أيضا في إعادة تثمين وتقييم وربما تعظيم دور الدين الاجتماعي. وبعكس ما يعتقد الكثير من المحللين الإسلامويين، لم تعن الحداثة هنا تراجع الدين وإنما ارتبطت بنهضة دينية فكرية وروحية كبرى تتعارض تماما مع روح الجبرية والاقتداء والانحلال الأخلاقي والروحي التي سادت لقرون عديدة سابقة.

لقد أدرك علماء الدين ومفكروه، وفي مقدمهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، الذي وصف الاسلام بأنه علماني وأول دين قضى على السلطة الدينية من جذورها، أن الأمر لا يتعلق بتحييد الدين أو إزاحته عن الواجهة، ولا بتغيير عقائد الناس الدينية، وإنما بإعادة بناء النظام العمومي. وهذا ما يفترض حتما تجديدا في القيم والمعارف والأفكار، وإقامة مؤسسات ومرافق عامة وخاصة لم تكن من قبل، وتشريعا لممارسات حديثة، اقتصادية أو سياسية أو إجتماعية أو قانونية أو علمية، وبالتالي إعادة تكوين للنخب الاجتماعية وتوزيع الاختصاصات بصورة أكثر عقلانية عليها. فلا يشكل هذا التوزيع شرطا لتطوير الاختصاصات والتكيف مع تقسيم العمل الجديد فحسب، ولكن بناء التفاهم والتعاون بين النخب الاجتماعية، وتجنب النزاعات والصراعات الجانبية، وبالتالي ضمان تحقيق الانسجام والاتساق في حياة المجتمعات. والواقع أن فصل الدين عن الدولة ليس سوى خطوة أخيرة وتحصيل حاصل لنشوء نظام حديث تشكل الدولة مركز تنظيم الحياة الجمعية فيه وجملته العصبية. فقبل أن يحصل هذا الفصل، كانت الدولة قد تحولت إلى راع للعديد من النشاطات التي شكل تطورها أساس الحداثة، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والمعرفة. ولم تظهر مطالب الفصل بين الدولة والكنيسة إلا لأن الكنيسة، من حيث هي قوة محافظة، تحولت في وقت من الأوقات إلى عائق أمام استكمال شروط الحداثة، الاقتصادية او السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية. باختصار لم تأخذ الدولة الحديثة شيئا من ممتلكات الكنيسة وسلطاتها ولكنها منعتها من وضع اليد على ممتلكات الدولة الحديثة والنشاطات والمؤسسات التي انبنت من حولها وكانت هي محورها، وفي مقدمها الأمة.

3 - من العلمانية إلى الأزمة الدينية

أصل العلمنة من حيث هي المبدأ الناظم لانتقال المجتمعات التاريخي من الصيغ المجتمعية السحرية، أو الدينية، إلى الصيغ القانونية العقلانية التي تحدث عنها ماكس فيبر، أو كما قال من العقلية السحرية إلى العقلية الوضعية، هو الحداثة وآلياتها، وليس كما تشير نظرية العلمانية او توحي به، رد الفعل الفكري والسياسي ضد سيطرة الكنيسة أو رجال الدين. رد الفعل هذا موجود بالتأكيد، لكن وجوده وظهور الاعتراض على الصيغ والممارسات الدينية نشآ، هما نفساهما، في سياق ولادة صيغ جديدة للتفكير والإدارة والتنظيم المدني والسياسي والاقتصادي والتقني، في حجر المجتمعات الخارجة من النظام القديم الوسيطي. وعندما تنجح الأديان، أو بالأحرى النخب الدينية القيمة على تراث الدين، في التكيف السريع والمتناغم مع منظومات القيم والممارسة الجديدة، الناشئة بموازاة تطور مسار الحداثة، لا يحتاج التقدم على الطريق الجديدة إلى ثورات فكرية علمانية، ولا حتى إلى صدامات سياسية كبرى بين الكنيسة والدولة. إن العلمنة تتحقق، حتى في مجال الدين والعقيدة، بصورة سلسة وإلى حد كبير توافقية.

هذا هو منحى التطور الذي ساد تجارب المجتمعات الآسيوية التي تنتشر فيها ديانات متعددة ومختلفة تسيطر عليها الكونفوشية والبوذية، وهي ديانات غير سماوية. وهو ما حصل أيضا إلى حد كبير في التجربة العربية والاسلامية منذ القرن التاسع عشر حتى نهايات القرن العشرين، باستثناء المثال التركي الوحيد الذي صوبت فيه النخبة السياسية ضربة قوية للسلطة الدينية في إطار حربها ضد الارستقراطية السلطانية التي احتمت بشارات الخلافةـ أو حاولت أن تقاوم القوى الحديثة من وراء متراس الدين .

وما تشهده المجتمعات العربية اليوم من ردة دينية وانحسار متزايد للفكرة العلمانية لا يرجع إلى مقاومة السلطة الدينية للسياسات التحديثية، أي للعلمنة الاقتصادية والإدارية والسياسية والعلمية والتقنية، وإنما إلى إجهاض الحداثة نفسها وتآكل شرعية نماذجها التنظيمية، بسبب وصولها إلى طريق مسدود، وخراب القيم العقلانية والانسانية والقانونية التي ارتبطت بها، وابتعاد الناس عنها. وفي هذا المعنى ينبغي فهم النظرية القائلة بأن الاسلامية الأصولية السائدة اليوم، بأشكالها المختلفة المتطرفة سياسيا والبعيدة عن السياسة، تمثل ملجأ أو مهربا من مواجهة الحقيقة المرة. فالأصولية الحديثة، التي تختلف جذريا في برنامجها وجدول أعمالها عن التدين والورع الاسلامي التقليدي، لا تمثل شيئا، وما كان من الممكن لها أن تحظى بما تملكه اليوم من شعبية وسعة نفوذ، من دون الفراغ الذي أحدثه انهيار مشروع الحداثة وانحسار قيمها وتبخر الآمال والأحلام التي ارتبطت بمشروعها .

والواقع أن الحداثة التي جاءت على أنقاض النظام المجتمعي القرسطوي السلطاني المتحلل في اسطنبول، لم تحافظ على نموذج التعايش التقليدي بين السلطة الدينية العلمائية وسلطة الدولة المركزية لصالح أسبقية السلطة السياسية وسيادتها. كما أنها لم تنحو نحو إقامة علاقة جديدة متوازنة بين الدولة والدين، على مثال العلمانية الأوروبية التي احتفظت للكنيسة باستقلالها الكامل في نطاق اختصاصها الديني وتعاملها مع المؤمنين، في ما وراء انتماءاتهم السياسية والوطنية. ولكنها نحت عموما إلى احتكار السيطرة، حتى عندما كانت السلطة تميل إلى الليبرالية، على الفضاء العام، بما في ذلك مسائل الدين والتربية الدينية والروحية.

أما في البلاد العربية فقد تم الانتقال نحو نظم ودول حديثة بسلاسة أكبر، ولم تحدث في ما وراء معركة الحجاب، التي خاض فيها رجال مختلفي الاتجاهات من خريجي الجامعة الدينية الأزهر، أي صدامات تذكر بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. فقد لعبت الحركة الاصلاحية الدينية هنا دورا متميزا في تجاوز الصدام بين قيم الحداثة الوافدة وقيم التراث الديني المتأصلة في التربة المحلية. ومما ساهم في تحقيق هذا التوافق، بالإضافة إلى تأثير الحركة الاصلاحية العميق على رجال الدين في مطلع القرن العشرين، وشائج القربى الطبقية والاجتماعية العميقة التي كانت تجمع بين النخب والعائلات الدينية والنخب والعائلات السياسية. فقد ساهمت هذه الوشائج في تعزيز روح التعاون والتفاهم وتقاسم السلطة والمصالح بين الطرفين خلال تلك الحقبة التي تستحق أن تسمى بالفعل بالحقبة الليبرالية العربية.

لكن الامر سيختلف تماما منذ خمسينيات القرن الماضي، مع نشوء النظم القومية أو ذات الفلسفة والتوجهات الثورية المعادية للاستعمار، التي ستضع النخبة الدينية والنخبة السياسية الليبرالية معا في صف الرجعية العميلة . فلن يقتصر الأمر هنا على تأكيد سيطرة النخبة السياسية والدولة وإنما تحول إلى مصادرة الدولة للدين بصور نهائية، مباشرة وغير مباشرة، ولأهداف متعددة أيضا، كان في مقدمها التعبئة الوطنية ضد المخاطر الخارجية أو الداخلية، وبناء الهوية القومية، وتأمين مصادر سهلة وبسيطة للشرعية السياسية التي تحتاجها طبقة سياسية مفككة وقليلة الحيلة. وبعد قضائها على ما تبقى لهما من هامش استقلالية اقتصادية ومدنية، ألحقت الدولة والنخب السياسية الدين والسلطة الدينية بمشروعها "الوطني". وزاد احتواؤها لهما وإخضاعهما لأجندتها السياسية مع تفاقم أزمتها وتراجع شعبيتها منذ ثمانينيات القرن الماضي نتيجة فشلها المستمر في الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها.

هكذا لم تعد هناك اليوم آثار في مجتمعاتنا لأي سلطة دينية فعلية، أي على درجة كافية من الوحدة والاتساق والاستمرارية، تتعدى حاصل النفوذ الشخصي المحتمل لرجال الدين، من حيث هم أئمة أو كتاب أو قادة سياسيين أفراد. لقد اكتسحت السياسة، التي تشكل التعبير الأوضح عن عصر الحداثة في النظم الاجتماعية، المجتمعات العربية واستغرقتها، وحرفت أنظارها عن العناية بميادين النشاط والاهتمام الأخرى، بقدر ما جعلت من إعادة بناء النظام العام، وتأسيس الرابطة الجمعية، أي الوطنية، الأجندة التاريخية الرئيسية للشعوب والمجتمعات. وفي سبيل تحقيق ذلك الإلحاق، عمدت الدولة إلى تأميم المرافق والاوقاف الدينية وإخضاعها مباشرة للسلطة التنفيذية، وربطت مصير رجال الدين بها بتحويلهم جميعا، كبارا وصغارا، إلى موظفين، وتأهيلهم في المدارس والكليات الرسمية. فصاروا في خدمة الدولة وتحت إشرافها، أتباعا لها، ليس في ما يتعلق بمسائل الدولة والسياسة فحسب، ولكن أكثر من ذلك في مسائل الدين نفسه. فانمحت السلطة الدينية، من حيث هي قوة منظمة تجمع بين رجال الدين والقائمين عليه وتوحد رؤيتهم ونظرتهم لشؤونه، وتجعل لهم إرادة مشتركة في العمل لتحقيق أهداف واحدة. وهذا ما يميز الاسلام السني في عصرنا الراهن عن الاسلام الشيعي الذي نجح في أن يحتفظ لنفسه بسلطة دينية مستقلة عن الدولة خلال حقبة طويلة، حتى لو لم تكن سلطة بابوية تدعي الاشراف على جميع سلطات المجتمع الأخرى.

كان اكتساح السلطة الدينية من قبل السلطة السياسية وتذريرها في المجتمعات العربية السبب في نشوء أزمة دينية مزدوجة ومفتوحة، لا تزال آثارها البعيدة والمتفجرة تتفاعل حتى اليوم. فقد أدى هذا الإلحاق البسيط والمباشر إلى إفقاد النظام العام التوازن الطبيعي الذي ميزه خلال عقود طويلة سابقة وسمح للمجتمع الخاضع لطغيان السلطة السياسية من الاستناد إلى سلطة دينية تقوم بدور رئيسي في تنظيم الحياة الاجتماعية وحل النزاعات وبناء أطر التعاون والتضامن على مستوى الحياة اليومية بين الأفراد. وكان ذلك ايذانا بولادة تسلطية سياسية من نوع جديد، تتجاوز ما كانت المجتمعات العربية قد عرفته في عهد السلطنة التقليدية، لا توقف عسف السلطة السياسية وطغيانها فيها أي قوة موازنة أخرى تملك الحد الأدنى من الشرعية وتستند على قاعدة شعبية، كما كانت تحظى به الهيئة الدينية في النظم التقليدية.

وانهيار السلطة الدينية بالمعنى الذي ذكرت، لا الانشقاق أو الصدع ، هو الذي يفسر الذيلية الملفتة للنظر التي تميز سلوك رجال الدين وأصحاب الولايات الدينية في المجتمعات العربية اليوم. فأمام ما تشهده هذه المجتمعات من تحديات خارجية ومعضلات تاريخية من السيطرة الخارجية إلى التخلف وانعدام التنمية وما يعنيه ذلك من انتشار الفقر والبطالة، ومن تفتت الهوية وتفكك المجتمعات وانتشار الفساد الأخلاقي والإداري والاجتماعي بشكل لا سابق له، وأمام ما تتعرض له فئات متزايدة من قهر واضطهاد وعسف وانتهاكات صارخة لحقوقها الانسانية والدينية، وما ترتكبه النظم الاستبدادية من مجازر جماعية، وما تعاني منه قطاعات واسعة من معاملة لا إنسانية، وما تقترفه فئات متعددة متطرفة، باسم الاسلام، من جرائم عنف لا توصف، لا تكاد الهيئة الدينية السنية تحرك ساكنا، أو تعلن موقفا أو تقترح طريقا جديدا. فهي غائبة تماما عن الساحة السياسية، مستسلمة لمصيرها ومسلمة بمصائر المجتمعات التي تنتمي إليها لأولياء أمرهم وأمرها، مهما كانت سياساتهم واختياراتهم الاستراتيجية. إذا صالحوا صالحت وإذا عادوا عادت، حتى لو تعلق الأمر بأبسط النزاعات أو الخلافات السياسية الداخلية. فهي لم تعد طرفا مسؤولا أو لديه شعور بالمسؤولية عن بناء حقل المصالح العمومية، وتحولت إلى مستهلك فحسب في نظام يتولى بناؤه والحفاظ عليه أقطاب السلطة العسكرية والأمنية .

أما الأثر الثاني لهذا الانهيار الذي أصاب السلطة الدينية، فيتمثل في دخول الفكر الاسلامي في أزمة تاريخية طويلة تتجلى في تكاثر التأويلات والمدارس والمذاهب والاجتهادات وتضاربها، من دون ضابط ولا رقيب. فقد أدى القضاء على أي سلطة دينية مستقلة، وإخضاع رجالاتها لاجندة السيطرة السياسية المباشرة، إلى حرمان الاسلام والمسلمين من أي مرجعية شرعية ذات احترام وصدقية، وترك علماء الدين يواجهون تحديات الأزمة الدينية منفردين، كل حسب اجتهاده ونفوذه ومقدرته الشخصية. وهذا هو أصل ما نشهده اليوم من فوضى المواقف والمباديء والأفكار في الدين، وتكاثر أعداد المنخرطين في أعمال العنف والقتل والإجرام الوحشية بين المسلمين، بذريعة الزود عن الدين وحماية الأمة وتنقية العقائد ومواجهة الكفر داخل البلاد وخارجها، من دون أن تكون هناك سلطة معنوية قادرة على بلورة رؤية دينية موحدة واتخاذ موقف والتواصل مع الرأي العام وتشجيعه على الالتزام بقواعد أو مباديء إنسانية وأخلاقية. بل ما يحصل في الغالب هو عكس ذلك تماما. فكثير من علماء الدين الكبار لا يكف عن صب الزيت على النار بإلهابه مشاعر الشباب وحثهم على الالتحاق بالمجاهدين والاقتداء بهم والدفاع عن مشروعهم، من دون أن يشعر بالحاجة إلى التنبيه إلى تشوش عقائدهم وتأويلاتهم المغالية والمتطرفة للدين.

إن ما تعيشه المجتمعات الاسلامية نتيجة فراغ المرجعية الدينية والسياسية وتقويض أسس شرعيتهما معا، هو، بعباراتنا الكلاسيكية، فتنة عميقة ودامية، أي فوضى شاملة فكرية وسياسية واستراتيجية معا. ولا يعبر تزايد نفوذ الجماعات التكفيرية واستسهال اللجوء إلى العنف، وعبادة القوة، وانتشار التنازع والصراعات الداخلية وتخليدها، وتنامي الانقسامات والتوترات والصدامات داخل القوى الاسلامية والأصولية نفسها، سوى عن الانفلات الديني الكامل وتقويض السلطة الدينية. ولعل أكثر ما يعبر عن ذلك سقوط جزء كبير من النخبة الدينية الرسمية، أعني من علماء الدين وفقهائه، في فخ المذاهب الأصولية الجهادية، ودفاعه عن ممارسات تتناقض مع جوهر الدين وتتنافى مع رسالة الأديان جميعا في بناء الأخوة والتواصل والتوحيد بين البشر. ومن الطبيعي أن تشجع مثل هذه الفتنة المجتمعات الأخرى على تغذية المخاوف من الاسلام والملسمين، وتدفع إلى تعبئة الرأي العام العالمي ضدهم، وتبرر كل أشكال العدوان ومشاريع السيطرة الخارجية عليهم. وهو ما يغذي بدوره، في ما يشبه الحلقة المفرغة، ردود الأفعال المتطرفة لدى المسلمين والفرق المغالية فيهم، ويدخلنا في دوامة العنف والقتل والاقتتال التي لا أمل في ايقافها. هكذا يعيش عالم الاسلام اليوم حالة سقوط فكري وأخلاقي معا، بموازاة إخفاقه الاستراتيجي وانهيار مشاريعه الوطنية والاجتماعية، ينتقم من نفسه ولنفسه، ويهدد الأصدقاء والأعداء دون تمييز.

4 - الردة الأصولية وانحسار العلمانية

من هنا لا يعبر صعود الأصولية الاسلامية في بلداننا اليوم عن تأخر الاصلاح الديني أو غيابه. فأنا أعتقد أن المهمة الأساسية في عملية التأويل الحديث والعقلاني للاسلام قد أنجزت على يد حركة الاصلاح الإسلامية القوية التي ولدت منذ منتصف القرن التاسع عشر، واستمرت خلال أكثر من قرن. ولم يضف المفكرون الاسلاميون الذين جاءوا بعدهم مكاسب حاسمة من حيث إقرار مبادئ هذا الاصلاح الكبرى، بقدر ما توسعوا في المسائل الاصلاحية وعمقوا النظر فيها وفصلوا في مسائلها ومفاهيمها. إنه يعبر بالعكس عن تراجع الوعي الانساني الحديث، الديني والسياسي والمدني والعلمي معا. وفي هذا التراجع والانحطاط الذي يرافقه تنمو جميع الأحلام والأوهام القديمة والحديثة، تلك الطامحة إلى أعادة بعث الصيغ القديمة التاريخية المرتبطة بوعي متكلس للهوية، وتلك النازعة إلى مطابقة الاوضاع المحلية مع الصيغ العلمانية الناجزة في المجتمعات الحديثة الغربية. وبعكس ما توحي به المظاهر، ليس الصراع حول موقع الدين في الحياة العمومية هو مركز الصراع الاجتماعي القائم ولا الرئيسي فيه. إن الصراع من حول العلمانية والأصولية ليس هو نفسه إلا قناعا للصراع الدامي والعميق على القيم الدنيوية، أي عن الثقافة الحديثة التي يعاد بناؤها اليوم، في جوانبها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية معا. ولا يمكن الأمل في الوصول إلى وضع يتحقق فيه فصل الدين عن السياسة وفصل السياسة عن الدين من دون التقدم في حل هذا الصراع الرئيسي، حول الخيارات الثقافية الرئيسية، الذي يفتح وحده إمكانية التفاهم والتوافق بين الدين والدولة من خلال إعادة تثبيت قيم الدين والقيم السياسية معا وتوضيح خصوصيات ومهام كل منهما.

هكذا لا يتعلق حصول التوافق بين الدولة الحديثة والدين بمسألة نظرية أو تأويلية فحسب، ولكنه يرتبط أساسا بتحولات مجتمعية مترابطة ومعقدة، يقع في مقدمتها بناء الثقافة أو إعادة بنائها، بعد أن انهارت في نموذجها الحداثي الرث وحصل انقطاعها عن الثقافة التقليدية الأم. ويحتاج تجديد النظر في الدين نفسه إلى توفر شروط تاريخية يقع في مقدمها الإرهاص بهذه الثقافة الجديدة المنشودة، ومن ورائه ببروز آفاق لانطلاق مسار الحداثة المعاق من جديد وفرص تقدم مشروعها. وكما أن من الممكن للتجديد الديني أن يجد فرصا أكبر للتحول إلى سلوك وممارسات عامة في حال توفر فرص تكامل مشروع الحداثة، من الممكن أيضا أن يحصل انهيار في هذا التوافق الأولي.

 

تقدم التجربة العربية المعاصرة مثالا ساطعا على هذا الارتداد على الايديولوجية العلمانية، حتى بعد تقدمها أشواطا طويلة. إذ لا يمكن للتأويل الحديث للدين أن يعيش في الفراغ. إنه جزء لا يتجزأ من مشروع الحداثة المجتمعية نفسها ونظامها، وبعدا من أبعادها المتعددة. ولا قيمة للإصلاح الديني، أي لعلمنة الدين، الذي يشكل استجابة تاريخية لا مهرب منها لحاجات الأفراد للانخراط في هذه الحداثة والتفاعل معها، إذا كان النظام المجتمعي الناجم عنها، أو عن بعض نماذجها المشوهة والمعاقة، يحرم الأفراد من استقلالهم الذاتي ويمنعهم من التعبير عن رأيهم أو من أن يكون لهم رأي خاص بهم، ويدمر حسهم النقدي ولا يسمح لهم بالمبادرة الشخصية لتحقيق مصالحهم وبناء أنفسهم ومستقبلهم. وفي هذه الحالة ستبقى سيرورة العولمة هشة، وسيكون من المستحيل لمشروع العلمنة الدينية، أي تأويل قيم الدين بما يتفق مع قيم النظام الحديث وتعميمها، أن يكتمل وينتج وضعية مستقرة وثابتة تستند إلى إدراك واضح من قبل أطراف النخب الدينية والسياسية والاجتماعية عموما لحدود مجالات عملها وصلاحياتها الخاصة. ومن الممكن للتحرر الديني أن يصبح عقبة أمام دفاع الأفراد عن الحد الأدنى من مصالحهم، أي عن أمنهم وعلاقات القربى والتضامن التي تجمعهم بأقربائهم المعنويين أو العائليين، في ظل دولة أو نظام يرهن امن الأفراد وقدرتهم على إنتاج شروط حياتهم ومعيشتهم البيولوجية على خضوعهم وتبعيتهم وارتهانهم الواعي وغير الواعي لإرادة عليا تتجاوزهم، سواء تمثلت في صورة إرادة سيد رئيس أب أو أخ أو قائد خالد مفدى، أو في صورة إمام وأمير للجماعة وملهم حياتها وأمنها.

هذا يعني أن مستقبل العلمانية، أي التعبير الصادق والصحيح، في الفكر والمارسة، عن العلمنة الموضوعية، وايجاد النظم الكفيلة بتحقيق التوافق بين السلطات الاجتماعية المختلفة وتحديد مجالات عملها واختصاصها بصورة ناجعة، لا يتوقف على قوة الدعوة العلمانية، وإنما يرتبط بمصائر الدول والمجتمعات والفرص المتاحة لها للدخول في حركة الحداثة الكونية وديناميكيتها. والحال لا تتساوى جميع الدول والمجتمعات في حظها من ذلك. بل لا تملك كلها، رغم المظاهر، دولا حديثة، وليست حداثتها السياسية إذا وجدت، على المستوى نفسه من النضوج حتى تنمي الطلب الاجتماعي على تجديد الاعتقادات الاجتماعية، الزمنية من أعراف وتقاليد، وأقل من ذلك الاعتقادات الدينية التي تمثل نظما رمزية وتخيلية، تعد الأكثر مقاومة للتغيير، لأنها الأعمق غورا في ترسيخ بنية المجتمعات واستقرارها. ثم إن كل ما هو حديث منها لا يملك الشروط الضرورية من السيادة والاستقلال والموارد المادية والاستراتيجية والثقافية التي تمكنه من فتح ورشة تاريخية معنية بتحرر الأفراد واستقلالهم، وقادرة بالتالي على بعث روح جديدة في الفكر والاعتقاد الدينيين تتفق وحاجات الحداثة السياسية.

وبالعكس، يزداد الطلب في الدول التقليدية، أو التي تنكفيء على نظم السلطنة القديمة، والتي تقوم جميعا على مباديء السيطرة الأبوية، وحرمان المجتمع من المشاركة، وإنكار حق الأفراد في الحرية والمساواة القانونية والأخلاقية، على قيم العصبية والذوبان في الأسرة والعشيرة والعائلة والطائفة والمذهب. وذلك بقدر ما يشكل هذا الذوبان الوسيلة الوحيدة لتأمين الحد الادنى من الحماية الذاتية. العلمانية (التنظيم المفكر فيه والواعي للمعرفة وللمجتمع وللعالم) هي بهذا المعنى صنو الحرية، ولا يمكن أن تتعايش مع الاستبداد والطغيان وحرمان الأفراد من مبادرتهم الشخصية.

وبعكس ما تشيعه النظرية السائدة في العلمانية، لا تنبع الأزمة التي نعيشها في مجتمعاتنا العربية اليوم من اتحاد الدين والدولة أو اندماجهما، وإنما من القطيعة المتنامية بين الوعي الحديث، بما يعنيه من تجديد تطلعات الأفراد وآمالهم، وتحديثها، والممارسة اليومية، السياسية والمجتمعية التي تزداد انحطاطا وصدما لهذه التطلعات والآمال، وما ينجم عنها من نزاعات وردود أفعال ومعارك طاحنة للسيطرة على الفضاء العمومي باكمله من قبل جميع النخب المتنافسة، وإزاحة النخب الاخرى عنها . وليس سبب الانفصال والقطيعة هنا تأخر علمنة الدين، وإنما تراجع النظام الحديث، عن أهم شرط مؤسس للحداثة، أعني الحرية، المتمثلة في مجموعة من الحقوق الأساسية، من حق التعبير والتنظيم والمسؤولية الفردية والمواطنة من حيث هي مشاركة في تقرير المصير الجماعي، أي السياسة المدنية، والتي لا وجود من دونها للفردية ولا للاستقلال في الرأي ولا للسيادة الروحية، ولا للمواطنية، بما تعنيه من مساواة وقبول بالتعدد والاختلاف. وامام ارتداد الدولة عن الحداثة، أي عن العلمنة السياسية، وانحدارها في ممارساتها إلى مستوى المقبرة الجماعية للحريات الفردية والحقوق الانسانية، حصل ما نشاهده في مجتمعاتنا من ارتداد عن العلمنة الدينية، وتحطيم منظورات ومفاهيم الاصلاح الديني، في سبيل العودة نحو صيغ سلفية متطرفة في عدائها لقيم الحداثة ومعالمها، وفي مقدمها استقلال الرأي، تجمع بين الاستسلام والتسليم لسيطرة أمراء الدين، وأحيانا أمراء الدين والحرب معا، والتخلي الإرادي والحماسي من قبل الفرد عن حريته ومسؤولياته العمومية، وتسليمه الكامل بالتبعية والانقياد.

والخلاصة

أجهز الانتقال الذي شهدته المجتمعات العربية من النظام القديم إلى النظام الحديث، على التوازنات التاريخية العميقة التي أنجبت خلال القرون الماضية صيغة التعايش التقليدية بين الدولة والدين. كانت المجتمعات العربية الاسلامية قد بلورت، في سياق الصراع على السيادة بين الملوك وعلماء الدين، تقاليد ثابتة في بناء حقل الفضاء العام، وتحديد الصلاحيات الخاصة بعلماء الدين ورجال الحكم ومجال عمل كل منهم ونفوذه، فاختصت الصنف الأول بالمسائل الدينية والفقهية منها بشكل خاص، واختصت الفئة الثانية من الملوك والسلاطين ورجال الحكم باحتكار مجالات السلطة السياسية والقوانين أو المسارات الاجرائية المرتبطة بها، وقرارات الحرب والسلام وسياسات المال والاقتصاد، أي كل ما يتعلق بقرارات السيادة. هذا ما تشير إليه حالة القضاء الذي كان مسؤولية سياسية يختص بها رجال الحكم، حتى لو كان القضاة من الفقهاء وعلماء الدين.

بيد أن هذه الصيغة القديمة ما لبثت أن انهارت تحت تأثير انخراط المجتمعات الاسلامية التاريخي والحتمي في نظام الحداثة وتأثر نخبها به. وأدى هذا الانهيار إلى بروز الصراع من جديد بين النخب السياسية المتحكمة بالدولة والنخب الدينية المتحكمة بالمجتمع إلى حد كبير. وبينما لم يمكن حسم هذا النزاع في قلب السلطنة العثمانية إلا بثورة سياسية علمانية على الطريقة الفرنسية، قامت بعملية تحييد قسري للدين وتقييد لحرية العبادة ورجال الدين معا، نجحت المجتمعات العربية المحيطية، عبر حركة إصلاح دينية قوية، في أن تعيد إنتاج صيغة جديدة للتعايش بين الدين والدولة ونخبهما، كانت في أساس تشكل حقبة ليبرالية استمرت لعقود طويلة وجعلت المجتمعات العربية المشرقية تبدو وكأنها حلت تماما مشكلة الانتقال نحو الحداثة وتجاوزت النزاعات المحتملة أو التي كانت متوقعة بين الدين والدولة .

لكن صيغة التوافق التي رعتها الحقبة الليبرالية لم تعمر طويلا بعد ان دخلت النظم التي اعتمدتها في طريق مسدود، ولم تعد تستطيع الاستجابة، بالقدر الكافي، لتنامي مطالب طبقات متزايدة من المجتمع وأمالها في الدخول في نظام استهلاك قيم الثورة السياسية الحديثة، مثل الاعتراف الذاتي والمساواة ورفض موقف الهامشية والسعي إلى المشاركة في السياسة واكتساب صفات المواطنية من حقوق وواجبات ومسؤوليات وممارستها. وكان هذا هو المناخ الذي شجع على تفجر ثورات انقلابية الطابع، لكنها معبرة بعمق عن نزوع الجمهور إلى الخروج من النظم القديمة والدخول في عصر الحداثة وقيمها. وقد راهنت الشعوب بقوة على الحركات الثورية القومية واليسارية، كما أظهر ذلك مثال الناصرية التي لا يزال لها أتباع كثيرون في العالم العربي، بعد عقود طويلة على وفاة زعيمها ومؤسسها في مصر. وفي سياق هذه الثورة السياسية تغيرت المعادلة بين رجال الدولة والدين. وسادت فكرة التحويل الإرادي السريع للمجتمعات والتحكم بالسلطة من قبل رجال سياسة هم أنفسهم من العسكريين الذين يراهنون بشكل كبير على نجاعة الحلول الإكراهية القائمة على استخدام القوة.

ومما ساهم في نشوء عبادة الدولة القوية، واكاد أقول العسكرية، ثم تصنيمها، الانهيار السريع للسلطة الدينية وخروجها من المنافسة كليا، وتحويلها إلى أداة في يد السلطة الحاكمة، في مصر الناصرية أولا ثم في بقية الدول العربية التي تعززت فيها مواقع الدولة بقوة، سواء تحت تأثير الفورة القومية او بسبب تنامي عوائد اقتصاد النفط الريعي. ويعكس هذا الانهيار نفسه للسلطة الدينية في الواقع العلمنة التارخية نفسها، أي تراجع فعالية الدين أو الفكر الديني كمصدر لمباديء التنظيم المجتمعي، المدني والسياسي الناجع في ذهن المجتمع. فالدين لم يعد منتجا لقيمة مضافة، وبالتالي للحمة جمعية قوية، أي لجماعة حية متكافلة ومتضامنة. أصبح هو نفسه بحاجة للحداثة، ثقافة أو دولة أو كلاهما، كي تأخذ بيده وتبقيه على قيد الحياة. وهذا ما يعبر عنه شعار الدولة الاسلامية بوضوح. لقد أصبح طقوسا وتقاليد تماثل بين الأفراد، وتخنق طموحاتهم، وتلغي حرياتهم، أي تحد من مبادراتهم الذاتية. أصبح تقليدا جامدا وصرحا ساكنا. لم يعد فيه ما يكفي من الايمان لإحيائه وتنويره. لقد أصبح امتثالا صرفا. هذا ما دفع المجتمعات إلى تحويل النظر عنه نحو السياسة التي بدت منذ القرن التاسع عشر بوصفها المزود الرئيسي بالقيم والأفكار والمباديء اللازمة لبناء صرح الاجتماع الجديد. فالفوات التاريخي للفكر الديني، مع تراجع جهد الاصلاح والتأويل، بل تجاهل الدين نفسه من قبل النخب الاجتماعية في الحقبة القومية، هو المسؤول عن نشوء عبادة الدولة ومحورة الحياة الاجتماعية بأكملها من حولها.

ونلاحظ هنا أن تجربة الحداثة، التي حصلت في سياق هيمنة الثقافة الغربية وصد موجات الغزو الاستعماري، قد عملت، بعكس ما تتجه إليه التحليلات السائدة، على إضاعة ما يمكن أن نسميه تراث العلمانية العربي الاسلامي القديم، من دون أن تنجح، بسبب ما وصلت إليه من طريق مسدودة، أو بسبب تضاؤل قدرة نظمها الاقتصادية والسياسية على الرد على مطالب الانخراط المتنامية في الحداثة ونمط استهلاكها المادي والمعنوي، في إحلال صيغة أخرى قابلة للحياة والتقدم والاستقرار. وتتفاقم اليوم أزمة هذه الحداثة، في موازاة عجز المجتمعات عن إزالة العقبة التي أصبحت تمثلها السلطة الاحتكارية الشاملة للدولة، وما تسببه من شلل للأفراد والجماعات وتبديد لطاقاتها ومواردها. وهي العقبة الناشئة عن المكانة العالية التي احتلها الدولة في عملية إعادة بناء المجتمعات بعد خروجها من الحقبة الاستعمارية، ودخولها في الحقبة القومية، والقدرات الاستثنائية التي تمتعت بها مقارنة بجميع الهيئات الاجتماعية الأخرى، بما فيها الدينية. وهو ما مكنها من قلب جميع التوازنات لحسابها ووضع جميع السلطات الأخرى في أزمة تاريخية دائمة، ومن ورائها المجتمع المدني نفسه الذي سيزداد كساحه وتجريده من القوة والانتظام مع تقدم مسار التحديث وتوسعه.

ولأن الدولة المشرقية وضعت منذ ولادتها في شروط تحول دونها والوفاء بوعودها، أصبحت معبودا محبطا، لا يستجيب لدعوات عبيده، ولا يأخذ بيدهم، ولا يقدر على تلبية مطالبهم. إنه الطاغية الذي يثير غضبهم ونقمتهم، ويحفزهم على التمرد عليه والتصادم معه بقدر ما يخيفهم ويرعبهم. ومهما جددنا في الدين، ستبقى العلمانية حلما نائيا ما لم ننجح في التحرر من الاستلاب للدولة، أو من سلب الدولة لإرادتنا، وهو ما لا يمكن تحقيقه خارج الدولة ولا ضدها، وإنما من خلال إعادة تأهيلها وإصلاحها. وكل ذلك مرتبط بقدرتنا على أن نؤسس السياسة ونؤنسنها، أي نعيد بناءها على مباديء إنسانية. والعلمانية هي، أولا وأخيرا، جزء من الثورة السياسية الحديثة التي جعلت من الانسان محور البناء المجتمعي، بقدر ما جعلت من إعداده وتربيته والارتقاء بشروط حياته غايتها الرئيسية. هكذا ندرك أن العلمانية ليست مسألة دينية، ولا ينفصل مصيرها عن مصير الحداثة الفكرية والسياسية

 

صفحات السياسة, آراء وقضايا 4:56 pm

 


ياسين الحاج صالح

يبدو القول إن أحوالنا العامة لا تسر موضع اتفاق عام. هذا سواء عُرِّفنا كرعايا لهذا البلد أو ذاك، أو كعرب، أو كمسلمين؛ وسواء عرفت الأحوال بلغة الحريات والحقوق أو بلغة الاقتصاد والتنمية والدخل، أو بلغة التفاهم الاجتماعي، أو بلغة الأمن الوطني.

 

بيد أنه يستثمر هذا الحكم العام خطابان متناقضان. خطاب شائع يدرج هذه الخبرة العامة في سرد عمومي، مستو، يفصل «سوء الأحوال» عن أي تحليل تاريخي أو اجتماعي أو منظومي (متصل بالنظام الدولي أو النظم الدولية الفرعية)؛ يفصله أيضا عن أي تساؤل نقدي بصدد المسؤولية، أو يرده إلى مسؤول وحيد يحتل موقع إبليس: الغرب، الدين، الدولة؛ ويحوله إلى واقعة مطلقة جوهرية. نسمي هذا خطاب الردح الذاتي. وهو شكل منحط من النقد الذاتي، شاع بالتدريج بفعل تمادي التعثر العربي السياسي، وأكثر منه الثقافي.

 

أما الخطاب الثاني فهو خطاب النقد الذاتي، نجده بدرجات متفاوتة من التمكن والنفاذ لدى شريحة أضيق من المثقفين.

 

وثمة فروق عديدة بين الخطابين. أولها، أن خطاب الردح الذاتي يلغي مبدأ المسؤولية. فالمسؤول الوحيد الذي يسند إليه هذا الخطاب هو بمثابة مبدأ للشر، يمكن أن تتكون حوله عقيدة دينية وليس تفسيرا علميا. في «الردح القومي» يكف الغرب عن كونه نظام قوى وعلاقات متحول وبالغ التعقيد، ليمسي شخصا مريدا واعيا، مغرضا، متآمرا. والدولة أيضا تظهر في «الردح الديموقراطي» ككائن شيطاني خبيث، «مشخصن» بدوره، لا كعلاقة سياسية تاريخية مركّبة. وفي «الردح العلماني» يكف الدين عن كونه تشكيلا ثقافيا تاريخيا معقدا ومتحولا بدوره ليغدو مبدأ فساد مطلق، أي أن النظرة الدينية إلى الدين (والغرب والدولة) وحدها هي التي تسود في خطاب الردح.

 

ومن هنا تنبع خاصية ثانية لخطاب الردح الذاتي هي شموليته. فـ»سوء الأحوال» متجانس لا تفاوت فيه، وشامل يستغرق جوانب حياتنا جميعا. وهو مفعول لشمول المبدأ الفاسد وليس نتاج تحليل متنبّه لنظام العلاقات المعني. من أين يأتي «حسن الأحوال» إذاً؟ ليس إلا من انقلاب مطلق، يمسح الراهن تماما ويقيم مكانه خلقا جديدا. هذا تصور شائع، وله نسخ دينية ودنيوية متعددة.

 

الخاصية الثالثة أن لخطاب الردح البنية ذاتها التي لخطاب التنويه الذاتي الذي يزجيه بعضنا للتكوينات/ القوى المذكورة. فالردح المضاد للغرب أو «تشرير» الغرب يحاكي تماما موقف تبرير الغرب مهما يفعل، واعتباره أصلا مطلقا لكل خير وحق وعلم وجمال. والردح الذي يستهدف الدين هو نسخة مقلوبة طبق الأصل عن موقف المتدينين المتزمتين من دينهم. هؤلاء يعتبرونه خيراً محضا متعاليا على التواريخ والأمكنة والبنى الاجتماعية، وأولئك يرونه مبدأ فساد أو «تخلف» محض، متعال بدوره على تبدلات الزمان والمكان والمجتمعات. وردح الدول أو النظم الحاكمة يحاكي في إطلاقه وعدم تهيبه من المبالغة ثناء النظم هذه على ذاتها، بل تقديسها لذاتها.

 

الخاصية الرابعة أنه توجّه الردح دوما قيم جزئية، قومية أو قبلية أو طائفية، ولا ينضبط بمعايير عامة لنقده أو يطور موقفا متسقا مما يعترض عليه. هذا واضح بالخصوص في الردح المضاد للدين، فهو يدين الإسلام بطريقة موتورة، بينما قد يجزل ثناء جوهريا ولا تاريخيا في السياق نفسه على المسيحية واليهودية وغيرهما (هو أيضا هنا طباق موقف الأصوليين الإسلاميين). وهو في ذالك نقيض النقد الماركسي (د. صادق جلال العظم مثلا) الذي كان مندرجا في أفق كوني بقيمه ومناهجه وتصوره للمستقبل، وإن يكن أفقا تبسيطيا. على أن ما يشكل الردح المضاد للدين مثاله الأبرز ينطبق أيضا على نقد الغرب. فنحن ننتقد الغرب، أميركا بصورة خاصة، نقدا هو أقرب إلى الأبلسة والتشرير الشامل، بينما قد نسكت أو نجمجم بخصوص قوى أخرى تتصرف بطريقة مماثلة، روسيا أو الصين أو إيران مثلا، وبالطبع نحن. ويحصل كذلك أن ننزلق إلى نقد دولنا نقدا منحازا، بينما نسكت عن ممارسات مشابهة تقوم بها منظمات وأحزاب قد تكون معارضة.

 

الخاصية الخامسة تتمثل في الطابع الشعوري لخطاب الردح، أي الانفعالي والمختلط وغير المنظم. هنا يطغى الشعور بالنقص (أو التفوق) أو بالذنب (أو بالمظلومية) على وعي النواقص وتمييز المسؤولية الواقعية، وتبرز مشاعر الكراهية والعرفان، ويغلب الهوى، على حساب الإدراك المتجرد والمعرفة المنضبطة.

 

ومن المفهوم أن «سوء الحال» سيبدو في العين الرادحة جوهريا، متأصلا في ذات الحال، أي في «المجتمع» أو «الثقافة» أو «الهوية». وتاليا سيغني رفض الحال عن معرفته، وتدمير الجوهر الفاسد عن إصلاحه.

 

وقد نلاحظ أن وسائط تداول النقد، الرادح والعقلاني معا، تختلف باختلاف المنقود. فالتلفزيون يبدو الجهاز الأنسب لنقد الغرب، أو بالأحرى الردح ضده. هذا ربما لأن التلفزيون جهاز «وطني» مضاد للانشقاق وللمناقشة العقلانية. وتبدو الجريدة والمجلة، والكتاب، الوسائط الأنسب للردح المضاد للدولة كما لنقدها. فهي وسائط أكثر استقلالا وأوثق ارتباطا بالكلمة المكتوبة و»العقل». أما نقد الدين والردح المضاد للدين فوسيطهما شبكة الانترنت. فهذه وسيط طليعي، وعمرها لدينا من عمر الموجة الراهنة من نقد الدين.

 

مقابل الردح والردح الذاتي نفترض أن النقد العقلاني متحرر من إغراء الشمولية، جزئي دوما، علائقي، محتكم إلى معايير عامة، متجرد ومتحرر من المشاعرية، يستند إلى رصيد معرفي أغنى. نفترض أيضا أن من شان نقد الردح أن يحرر النقد ويفتحه على أفق معرفة أكثر امتناعا على المذهبة وقيم أكثر امتناعا على الاحتكار ومعايير أكثر عمومية.

 

ولا يقود نقد الردح إلى الاستسلام للواقع بل إلى «الاستسلام» لمعرفة متعددة الأبعاد للواقع، ما يساعد على تجاوز المقاربة المعيارية له نحو مقاربة معرفية أبرد أعصابا وأهدأ نبرة، ما يساعد أيضا على التحرر من الجزع والبؤس وشقاء الوعي. وسيبدو الحال في ضوء مختلف، لن يغدو أفضل، لكن «سوءه» سيتحدد وينضبط ويمسي شأنا عمليا ونسبيا، يستجيب للجهد البشري. نقد الردح يحرر أيضا الالتزام من القبلية (التعصب لبني قومنا) والقبلية المعكوسة (التعصب ضد بني قومنا)، لمصلحة مفهوم أكثر تركيبا للالتزام، يستوعب نقد الالتزام القبلي.

 

وفي المجمل تلح الحاجة إلى انتقال ثقافي من نظام الشعور والمشكلات (أوضاع متعسرة لا شكل لها) والردح و»الأحوال السيئة»، إلى نظام الوعي والمسائل (صعوبات منظمة إدراكيا) والنقد والانضباط النفسي والفكري. أحوالنا ليست سيئة، السيّء هو انفعالنا بها وتفاعلنا معها. أحوالنا هي أحوالنا!

 

خاص – صفحات سورية -

 


آراء وقضايا 4:55 pm

تعقيب صريح على مقال الأستاذ ياسين الحاج صالح……

 الطاهر ابراهيم

    تعقيب صريح على مقال الأستاذ ياسين الحاج صالح:
حوار شخصي وصريح مع إسلامي في شؤون الإسلام والحرية والعقل والدولة

    أتحفنا الأستاذ ياسين الحاج صالح بحوار فكري رائع وهو يرد على مقالي "الإسلام وحرية الاعتقاد الديني"، وسأسمي مقالي ذاك "الرد" خلال مقالي الحالي. أوافقه على بعض ما ورد في حواره، وأتحفظ على معظم ما جاء عن نظرته "الشخصية" – هو سماها شخصية- عن الإسلام الذي يريد، لا الإسلام الفقهي، وهي نظرة لا يقول بها كثيرون. وقد نشر الحوار هذا على جزأين في موقع "الرأي": الجزء الأول يوم 5 تشرين أول 2007 الجاري والثاني يوم 7 منه. كما نشر المقال موقع أخبار الشرق في 10 تشرين أول الجاري.

 

    نستعجل فنقول: إن معظم ماجاء في المقال –الحوار- هو نتاج معاناة الأستاذ ياسين الفكرية .وضع لنفسه مقدمات وخرج بنتائج توافق المقدمات. وحتى تكون النتائج صحيحة يجب أن نتأكد أن المقدمات صحيحة. وإلا يمكن أن يقوم أكثر من كاتب مفكر بعمل مماثل، فيخرج بنتائج ربما تكون مناقضة للنتائج التي وصل إليها الأستاذ ياسين، فأيها نصدق؟

 

    وقبل أن أدخل في مناقشة ما جاء في هذا الحوار أقدم ببعض الملاحظات:

 

    1-خاطبني الأستاذ ياسين -كواحد من الإخوان المسلمين السوريين- في حواره الشخصي والصريح بقوله: إنك "تعتبر أن السلطة ينبغي أن تكون لجماعتك فوق كون لله معها وحدها ، أو لأنه معها وحدها". فعدا أن هذه المقولة لم ترد في مقالي "الرد" أصالة عن نفسي ونيابة عن الإخوان المسلمين ولا دليل لديه على ذلك، فقد ناقض قوله هذا في مقاله الآخر تحت عنوان "في النموذج الإخواني وتناقض الإسلامية المعاصرة" المنشور في موقع الرأي لاحقا في يوم 9 الجاري عندما قال فيه: "يُظهِر الإخوان المسلمون في سورية ومصر حرصا على القول إنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين". والقارئ الممحص يلحظ ما ورد من تناقض بين قوله الأول وقوله الثاني.

 

    2- كما خاطبني الأستاذ ياسين بقوله: "وتعلم أيضا أنه في القرآن ليس ثمة آية واحدة

 

    تتضمن ما يشرع هذا الحكم. لم تستطع أنت نفسك الاستشهاد إلا بآية لا تثبت أنك على صواب: "ومن يرتددْ منكم عن دينه فيمتْ وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (البقرة، الآية 217). هذا وعيد بالعقاب الإلهي". لا يزال الأستاذ ياسين وأصحاب "الغضبة المضرية" يزعمون بأني أصدرت حكم الإعدام على المرتد ويقوّلوني ما لم أقله. وهذا مقالي "الرد" موجود بين أيدي القراء حيث نشر، ويمكنهم أن يتأكدوا إن كنت أصدرت حكما، أم أن الأخوة يؤكدون أنها "عنزة ولو طارت". وذكر وعيد الله للمرتد بالنار لا يعني أبدا أني أصدر حكما. ويبقى هذا جزء من الآية 217 التي تقول " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتدد منكم …."، وهي كافية لإثبات الوعيد الشديد. وإلا ففي القرآن أكثر من آية تتكلم عن الردة، مثل آية سورة المائدة " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين …. المائدة 54 ". وإذا كنت تريد أن تثبت ضعفي في الإحاطة بآيات القرآن الكريم، فهذا لا يحتاج إلى إثبات لأني أقر به. أما إذا كنت تريد القول أن ذكر عقوبة المرتد في الآخرة يعني إصداري حكم الإعدام على المرتد، فيلزمك أن تثبت، وإلا يكون نوعا من الغش للقارئ.

 

    3- بغض النظر عما يعتقده أو لا يعتقده الأستاذ ياسين، فإن ما ورد في الجزء الثاني من رده المنشور في "الرأي" في 7 تشرين أول الجاري: "لكن إذا كان ما قلته عن عبادة الإسلاميين للإسلام، لا لله صحيحا، ولم أقله إلا لأني أعتقد أنه صحيح" يجعلنا نفهم من قوله آنفا هو: نوافقكم على الإيمان بالله، ونختلف معكم على التزام الشريعة المدونة في بطون الكتب ( باعتقادي أن الشريعة المدونة في بطون الكتب هي توضيح لما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف، بحسب ما صح منه) .

 

    4- في كل ما ورد في مقالي "الرد" لم يكن دافعي فيه أني أتهم الأستاذ ياسين بأنه انخلع من الإسلام. وقد جاء مقاله آنفا ليثبت هذه القناعة حيث يقول: "إن كوني مسلما هو ظرف تشديدي لوجوب الدفاع عن الحرية الدينية لحجازي وأمثاله" لأني لو اعتقدت أن الأستاذ ياسين ليس مسلما لما عقبت على المقال.

 

    5- واستطرادا من الملاحظة السابقة، فإنه عدا عن أن تكفير المسلم كبيرة من الكبائر، فإن من يرمي بها مسلما فقد جاء الوعيد من الله تعالى ومن الرسول صلى الله عليه وسلم، أقول عدا عن ذلك فلابد من برهان لا يقبل الشك. فقد أمسك الرسول صلى الله عليه وسلم بيد صحابي وأشار إلى الشمس وقال له أتعرف هذه، قال إنها الشمس، قال على مثلها فاشهد. وما كان لي أن أتهم مسلما أثبت لنفسه الإسلام.

 

    6- لقد جاءت آيات القرآن الكريم لتضع أمام المسلم إسلاما متكاملا مصداقا لقول الله تعالى "..اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا..المائدة الآية 3". وجاءت الأحاديث الصحيحة لتفصل. ولم يكن الإسلام هو نتاج الفقهاء وما دونوه في الكتب الصفراء فحسب، بل كان عملهم شارحا لما أُبهِمَ منهما وهو جهد عظيم ومشكور. لذلك يخطئ من يقول أن الإسلام هو جهد الفقهاء. فأركان الإسلام وأركان الإيمان جاء بها آيات القرآن الكريم. وفرائض الإسلام جاءت بها آيات القرآن وفصلها الحديث الشريف. والأحكام كلها إما في القرآن وإما في الحديث الصحيح. وما اختلف فيه الفقهاء من أمور فأكثرها أمور تفصيلية. وعدا عن مصادر التشريع الأساسية الأربعة وهي القرآن والحديث والإجماع والقياس، فلا يمكن أن حصرها فيه فحسب، فهناك المصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والعرف، حتى قيل بحق: "حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله".

 

    7- أما التشريع في السياسة والاقتصاد وغيرهما من أمور الدنيا، فالباب فيها أوسع. فقد حدد القرآن أن الحكم شورى "وأمرهم شورى بينهم … سورة الشورى الآية 38 "، وترك للمسلمين الآلية التي ينفذون بها هذه الشورى. فاستخلاف "أبو بكر" رضي الله عنه كان بإجماع الصحابة من السابقين وأهل الرأي، ثم بايعه باقي الصحابة. واستخلاف عمر رضي الله عنه كان بتوصية من أبي بكر" وبايعه باقي المسلمين. وربما كانت الديمقراطية الراشدة هي آلية الشورى في العصر الحالي. أما في أمور الاقتصاد، فإن فقهاء كل عصر كانت لهم اجتهاداتهم بما لا يحل حراما كالربا والميسر، ولا يحرم حلالا كالبيوع. وقد أضاف فقهاء العصر الحاضر إضافات قيمة مثل الشيخ مصطفى الزرقا في موضوع التأمين، وقد خالفوا القدماء في كثير من الأمور، وما أنكر عليهم أحد من علماء هذا العصر.

 

    8- يقول الأستاذ ياسين في مقدمة الجزء الثاني من مقاله: "ولعل عبادة الإسلام نشأت في وقت مبكر مع تراجع علم الكلام والفلسفة والتفكير في العقيدة، لمصلحة الفقه والشريعة". وتفنيدا لهذه المقولة التي ما قال بها – إلا فيما ندر حسب علمنا- أحد من الحققين في الفكر الإسلامي قبل الأستاذ ياسين، بل العكس هو الصحيح، إذ اعتبر أن أصحاب علم الكلام من المرجئة والقدرية و"المعتزلة"،هم الذين جمد بهم الفكر الإسلامي، بل وجانبهم الصواب حتى وصل الأمر بالمعتزلة أن قدسوا العقل وقاسوا صفات الله -تعالى عما يقولون علوا كبيرا- على ما يجري على المخلوقات، وقالوا: "إن القرآن مخلوق". فجرت فتنة عظيمة بعد أن توسلوا بالسلطان لنصرة رأيهم الفاسد. فاضطهد من أنكر عليهم ذلك، واعتقل الإمام "أحمد بن حنبل" في عصر الخليفة المأمون (مع تقديرنا لخدمات المأمون الذي قدم خدمة عظمى للإسلام باهتمامه بالعلم حتى أنه أعطى من ترجم أحد الكتب وزنه ذهبا) والخليفة المعتصم. وامتحن أحمد بن حنبل في دينه فثبت، حتى أنه سمي "ناصر السنة". وما لبثت فكرة "خلق القرآن" أن اضمحلت وتلاشت فما عاد أحد يذكرها إلا على أنها تاريخ.

 

    استطرادا فإنه مما لا شك فيه أن الله رفع الإنسان على المخلوقات التي تعيش على الأرض بعقله، الذي يميز به بين الحسن والقبيح، وبه اهتدى الإنسان إلى وجود الله سبحانه وتعالى. عندما أعمل العقل فاهتدى به إلى الله. وما ضل قوم إلا بعد أن وضعوا "العقل" المخلوق في مكان الخالق، فألّهوه وعبدوه.

 

    9- عندما أرسل الله رسوله فآمن من آمن وكفر من كفر، وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو المنفذ لشرع الله. فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى، سار الناس على هدي الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام. وفي عصر التابعين نشط علماء الحديث لتدوين حديث رسول الله خوفا عليه من الضياع، وتخصص فريق منهم في علم الرجال الذين رووا الحديث وابتكرا علما لم تسبقهم إليه أمة من الأمم وهو علم "الجرح والتعديل" وهو الذي يبحث في أهلية الراوي من حيث الصدق والحفظ والأمانة لمعرفة صدق الحيث من مكذوبه، وألفت كتب الحديث الصحيحة ومنها البخاري ومسلم.

 

    ما أردت قوله أن القرآن والأحاديث الصحيحة لا يمكن أن تصطدم مع العقل. وإذا جاء من لا يوافق على الأحكام التي اعتمدت على آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة أو الأحاديث الشريفة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهو يزعم أن هذا الشرع لا يستقيم مع العقل، فاعلم أنه إنما وضع مقدمات خاطئة فوصل بها إلى نتائج خاطئة. وإلا فإن العقل السليم لا يمكن أن يصطدم مع الشرع الإسلامي المأخوذ من القرآن والأحاديث الشريفة الصحيحة.

 

    يبقى أن نقول أن الخبر الذي يعتمد على النقل الصحيح الذي لا يطرق إليه الشك أوثق من تحليلات تختلف من كاتب إلى آخر ولو بهرك بريقها. وبرهان زيفها عدم إجماع الناس عليها‘ إلا ما كنا من فئة قليلة تتحلق حولها.

 

    10- وحتى يضع الأستاذ ياسين منهجا تحليليا يعتمد فيه على مقدمات صحيحة، لا يتطرق إليها الشك ولو بنسبة ضئيلة جدا، فإننا لا نترك يقيننا المبني على مقدمات هي أصح من شمس النهار الصيفي. يقيننا هذا أرسخ من القول بأن النار تحرق، لأنه قد مر يوم على النار عطل الله فيها صفة الإحراق مع إبراهيم عليه السلام.

 

    أكتفي بهذه الملاحظات التي أردت وضعها بين يدي مناقشة الجزء الثاني من مقال الأستاذ ياسين الذي نشره موقع "الرأي" في 7 تشرين أول 2007، على أتبعه قريبا بمناقشة موجزة لأهم الأفكار التي حواها المقال

 

    الطاهر إبراهيم

كاتب سوري

موقع الرأي

 

صفحات السياسة 4:54 pm

 

حسيبة عبد الرحمن

وأخيراَ اشتعلت النار تحت مرجل العلاقات السعودية_ السورية، وتطاير اللهب أسئلة وتساؤلات بعد مرور سنوات على إحكام  غطاء المرجل،  وغليانه البطيء.                                                
هذا الانفجار الدبلوماسي السوري_ السعودي، أثار حزمة من  القراءات المختلفة، وإشارات الاستفهام، حول أسبابه، و توقيته. ووضع علاقات كلا البلدين تحت الأضواء، وهذا ما جعلها مادة دسمة للمراقبين والمتابعين والمحللين السياسيين.  وكل منهم يضيء زاوية ما. منهم من أرجع السبب إلى مرحلة الغزو الأمريكي للعراق.  والبعض الآخر اعتبر الأزمة إحدى تداعيات اغتيال الحريري، ناهيك عن ربطه بالوضع اللبناني الراهن وفي مقدمها  الاستحقاق الرئاسي، ودور كل من سوريا والسعودية وتحالفاتهم داخل لبنان وخارجه في إيصال الرئيس القادم إلى قصر بعبدا. وقد كان لهذا التحليل حصة الأسد في الإعلام. ربما أصابت هذه القراءات بعضاً من تمظهرات الأزمة، ولكن من وجهة  نظري لم تلج التحاليل  جوهرها ، وبقيت تتعامل مع السطح الخارجي لها. وبذلك أدعي محاولة قراءة ما لم يقل أو يثار في الإعلام، وأزعم أن هذه القراءة تلقي الضوء على السبب المباشر والحقيقي لازمة  العلاقات السورية_ السعودية، والتي لم تتعرض لهزة بهذا الحجم منذ انقلاب حافظ الأسد عام 1970 مع العلم أن العلاقة شهدت بروداً وخلافات حادة بين الدولتين سواء فترة صراع النظام السوري مع التيار الإسلامي المتطرف ( 1978_ 1982 ) ودور الدول العربية (العراق، السعودية ، الأردن) وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية في دعم التيار الإسلامي المتشدد في سوريا . وهذه المحطة لم تكن الوحيدة في الخلافات السورية السعودية ، فقد تلاها  الموقف من الحرب الإيرانية _العراقية . ومع ذلك بقيت شعرة معاوية بين الطرفين، شعرة الدبلوماسية المتضاربة والصامتة

 ما هو الموقف الجديد الذي تسبب بتفجير الصراع  بين البلدين وتبادل الصفعات؟ العلاقة السورية الإستراتيجية مع إيران وحزب الله وحماس القديمة! اتفاقية مكة ساهمت  سوريا بها وإن كان بشكل غير مباشر. أما موقف السعودية من لبنان فقد تم تجاوزه واستيعابه من قبل السوريين سواء الموقف السعودي من اغتيال الحريري، أو من المحكمة الدولية . وما يختص بالعلاقة السعودية _ الأمريكية الاستراتيجية لا جديد فيها ولا عليها . والاصطفافات من الغزو العراقي أصبحت من الماضي . بقيت حرب تموز وتداعياتها،  والتي تركت أثرها في العلاقات السورية _السعودية والمصرية دون الوصول مع الأخيرة حد الهجوم الدبلوماسي ( ولعل مصر تستفيد من الأزمة السورية السعودية الحالية بحيث تلعب دوراً ما على خط الدولتين وبذلك تحسن دورها الذي ألحق بأمريكا وإسرائيل حيناً وبالسعودية حيناً آخر) . مع العلم أن التباين في المواقف تبدى  بعد انهيار المحور الثلاثي السعودي المصري السوري إثر الغزو الأمريكي للعراق وتداعياته على المنطقة . وكان من أهم نتائجه محاصرة النظام في سوريا داخلياً، وتقليم أظافره الإقليمية،برفع الغطاء عن شرعية وجوده في  لبنان بعد اغتيال الحريري، ودور السعودية  في إخراج الجيش السوري من لبنان بالتحالف مع الولايات المتحدة وفرنسا، والقوى اللبنانية التي كانت تغطي الوجود السوري، وتشرعنه ( الطوائف الإسلامية). ترافق ذلك في إكمال الإطباق المصري السعودي على الدور السوري وخنقه،  بمحاولة الاستعاضة عنه بالدور الأردني من خلا ل محور الاعتدال العربي المتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذه المتغيرات جاءت مع المشروع الأمريكي، مشروع المحافظين الجدد  باحتلال العراق،  والسعي إلى إلغاء أداور الدول الإقليمية.  المشروع  الذي أطلق عليه الشرق الأوسط الجديد، وفي بعض التحاليل أن ما يجري في المنطقة سمة من  سمات المشروع ومنها الصراع بين الدول العربية

أما السمة البارزة في المشروع: إعادة صياغة التحالفات والمحاور في الشرق الأوسط ما بين المحور الأمريكي وتحالفاته، وبين المحور الإيراني السوري وتحالفاته، وصراعاته صراع على النفوذ السياسي ووزن كل فريق وتحالفاته الداخلية، الإقليمية والدولية. وتم تحددت ملفات الصراع، العراق،فلسطين، لبنان . المحور الأول  بقيادة المايسترو الأمريكي والعازفين من الزعماء العرب في الأوركسترا الأمريكية فوق الجثث العربية في ساحات الصراع الدائرة . خرج نظام دمشق من الفرقة نتيجة لقراءته السياسية ومصالحه كنظام، فارتأى أن المشروع الأمريكي سيقضمه أولاً باعتباره الحلقة الأضعف بين الأنظمة العربية والإقليمية. ومن هنا رسم خطة دفاعه تحت عناوين "مناوئة المشروع الأمريكي" من خلال التحالف الذي وثق اكثر مع إيران زعيمة المحور الثاني ،  ومع القوى التي تحمل سلاحاً في الساحات الثلاث المتفجرة ( حماس ، حزب الله والمقاتلين في العراق ) وهكذا بدأ النظام  بقلب الطاولة من أمام اللاعبين، وكانت نتيجة حرب تموز لصالحه.  تكلم الأسد بعد صمته عن دور الأنظمة العربية، وصرخ بصوت عال في وجوههم ( أنا هنا ، وأنا المنتصر  عليكم الاعتراف بمصالحي ودوري) .  وبهذا جاءت حصيلة الصراع في الشرق الأوسط بأكثر من مكان لصالح المحور السوري _ الإيراني و توجت هذه الحصيلة بالمؤتمر الأمني حول العراق الذي عقد في دمشق.  وكان المؤتمر هو بمثابة القنبلة الموقوتة في العلاقات السورية_ السعودية.  بحيث لم يمض يوم على  محاضرة فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية التي  ألقاها إثر الاجتماع الأمني الذي سبق وذكرناه . إلا وجاء الرد السعودي عنيفاً . ولكن لماذا انفجرت القنبلة  في هذا التوقيت؟. للإجابة  عليه  علينا أن نقرأ رمزية عقد الاجتماع في دمشق ودلالاته، وكيف قرأته السعودية ودول الخليج العربي ؟ إنه اعتراف أمريكي بالدور السوري في العراق  بعد أن  اعترفت أمريكا ومعها دول الخليج بالدور الإيراني سواء السلبي أو الإيجابي في العراق، وكذلك دورها الإقليمي نتيجة العلاقة مع حزب الله اللبناني  والدعم لحماس عبر التحالف الإيراني السوري، ودور سوريا المسهل للنفوذ والسياسات الإيرانية في لبنان وفلسطين. بحكم التحالف بينهما،  وتقاطع المصالح والرؤى حول طبيعة الصراع الدائر في المنطقة.  ومن ضمنها كما ذكرنا استهداف الولايات المتحدة لنظام دمشق الذي لا يفي باشتراطات المرحلة  من حيث طبيعته أو دوره. ولذا تم التركيز والضغط عليه منذ غزو العراق وحتى الآن.  بلغت الضغوط ذروتها مع اغتيال الحريري، ومحاولة تكبيل النظام في دمشق بعد طرده من بيروت، فبدأ بلعب دوره تجاه الشرق أي العراق، وإعلان موقفه الرافض للغزو. وباعتبار النظام السوري هو من اكثر الأنظمة خوفاً على ذاته ومصالحه ، والأكثر حساسية للمتغيرات التي تأتي على حسابه. ركز نشاطه نحو العراق( الساحة الأهم للولايات المتحدة الأمريكية وعليها الرهان بالخسارة أو الربح ). فحدد النظام السوري مع إيران مناطق نفوذ كل منهما كي لا يقع اشتباك . واعتمد هذا  النظام غض الطرف عن المسلحين الذين يعبرون الحدود إلى العراق لمنازلة الخصم الأمريكي، ومناهضة سياساته التي حولت العراق إلى بلد الفوضى والموت المجان، وفتحه  بوابات التطرف الجهنمي . قرر النظام السوري مع الأنظمة العربية دون استثناء استثمار الفوضى العراقية، وفتح الحدود بوجه المتطرفين للعبور نحو العراق، ولكل أهدافه.  فبعض الأنظمة تريد حماية نفسها من التطرف كالأردن و مصر إلى حد ما . والبعض الآخر يخشى من انتقال المشروع الأمريكي إليه كسوريا.  وهناك من يريد التخلص من المتطرفين وإرسالهم إلى الساحة المشتعلة تحت شعار محاربة الشيعة الروافضة على حد ثقافة الوهابية السعودية ..الخ. تداخلت هذه  العوامل جميعها ، إضافة إلى عامل المبارزة والمنازلة الأمريكية _الإيرانية . والجميع متفق على إبعاد أشباح العراق عن بلده، وصبه في البلد المستباح العراق . وهنا نعرج على الدور السوري الذي تضرر كثيراً من سقوط النظام في العراق. ليس أقله أن العمق الاستراتيجي السوري قد احتل، وانكشفت الحدود الشرقية السورية، والخوف من أي عمل عسكري أمريكي ولو أنه احتمال ضئيل جداً. عدا عن تداعيات سقوط نظام صدام حسين الذي ارتبط بنظام دمشق بالعقيدة البعثية وبطبيعة النظام الأقلاوي.  رد النظام السوري بسياسات دفاعية ارتكزت على بناء الصلات بينه وبين القوى الرافضة للاحتلال  وعلى مستويات متعددة، منها الدعم المعنوي إلى المساعدة العسكرية، أو غض الطرف عن حركة المقاتلين، وهذه القوى الرافضة للاحتلال الأمريكي، تمثل بشكل رئيسي القوى السنية ( أعتذر عن التسمية الطائفية والتي لابد منها ) ومن أبرزها حزب البعث في العراق بما يمثل من قوة منظمة للجيش العراقي السابق  الذي حل، وتيارات وأحزاب قومية وماركسية  وإسلامية ترتبط بدمشق بعلاقات منها البراغماتية، ومنها  الأيديولوجية القومية. كما  صبغت تحالفات هذا التيار مع قوى ذات طابع طائفي  داخل العراق، مما عقد شروط  القوى والحركات الوطنية بحيث يصعب وضع التخوم بين القوى الوطنية، والقوى ذات الطابع المذهبي. تلك القوى المتحالفة مع دمشق بدرجات متفاوتة، هي القوى التي  تناهض وتقاتل الجيش الأمريكي والقوى السياسية التي أتت معه، وتسلمت  السلطة ، وحاضنة هذه القوى المقاومة  بشكل أساسي  المناطق السنية. وبهذا تكون  إيران هي القوى الفاعلة فيما يسمى الأحزاب والقوى الشيعية, في حين تلعب سوريا دور الداعم والمؤثر في القوى القومية وتحالفاتها ( السنية ) أي ما يعني خروج السعودية من دائرة الفعل داخل العراق سواء بالقوى السنية المنخرطة بالعملية السياسية، أو بالقوى المناهضة للعملية السياسية وللمحتل الأمريكي، ومحاولاتها تبني بعض العشائر في الأنبار أو القوى الإسلامية باءت بالفشل لعدة أسباب، ليس أقله أن المملكة  سهلت دخول قوات الاحتلال  الأمريكي عبر أراضيها، ولذلك لم يكن موقفها المعلن أو السري يغري الأطراف العربية السنية في قبولها داعماً لهم، وهي الحليف الإستراتيجي لمن احتلهم، وانتزع السلطة من أيديهم.  إضافة إلى خوف  القوى المعارضة للاحتلال  من  إبقاء العراق ساحة صراع مفتوحة بين إيران والسعودية دون تحقيق هدف من خلاله.  إذاً الصراع  الجاري صراع نفوذ ومصالح لكل من سوريا والسعودية  حول العراق، والذي بدأ مع احتلال العراق إلى أن عقد  المؤتمر الأمني لدول جوار العراق بغياب سعودي . أي اعتراف الولايات المتحدة بالدور السوري ( مع الفصائل التي تقاتل في العراق ودون أن ننسى  وجود ما يقارب المليوني عراقي في سوريا رهينة ) على حساب الدور السعودي الذي لم يستطع التأثير على جبهة التوافق العراقية، وبما يعني  تراجع الدور الإقليمي للسعودية،  والذي سيقتصر  في الفترة القادمة على التطبيع مع إسرائيل، وإكساب الدولة العبرية فتوى إسلامية حول شرعية الوجود . ولذا انفجر الصراع إثر المؤتمر الأمني وغياب السعودية عنه دل على اعتراض سعودي لتغييب دوروها الحقيقي لصالح سوريا  ، ولهذا أعُلنت  الحرب الدبلوماسية في الفترة التي أعقبت المؤتمر الأمني.  في حين تحاول السعودية رد الصفعة في لبنان  باستكمال ضرب التأثير السوري على الساحة اللبنانية (الخاصرة الضعيفة لسوريا) عبر حلفاء الأمس،  ومنهم  تيار المستقبل حلفاء السعودية ، التيار الذي امتلك المال الذي  وجه  من خلاله الطائفة السنية اللبنانية بمعظمها من موقع  المدافع عن فلسطين والعروبة وما إلى ذلك، إلى مكان آخر هو الصراع المذهبي مع حزب الله ،وانتقال القوة السنية الأساسية في لبنان إلى التبعية الكاملة للسعودية.  وهذا لا يعني أن الأطراف الأخرى كحزب الله وأمل أكثر استقلالية عن الموقف السوري والإيراني وتوجهاته. وبذلك انفتحت الأزمة أزمة النفوذ والمصالح وكذلك والأدوار الإقليمية. فالعراق هو مركز ثقل سياسات  الولايات المتحدة الأمريكية من أجل مشروع الهيمنة والسيطرة على المنطقة بأكملها . والسعودية طرف غير راض عن العملية السياسية  في العراق، والتغيرات التي حصلت  فيه لكنها لا تجرؤ على الوقوف بوجه أمريكا،  وهي تقف موضوعياً إلى جانب الموقف السوري بهذا الخصوص، وهذا ما كان عليه أن يدفع في الظروف المماثلة إلى التعاون بينهما رغم الدوافع  المختلفة لكلا البلدين . ولكن صراع المصالح والتوجهات دفعت كل منهما إلى التباعد وتصادم المصالح ، وقد يكون الاشتباك الآتي حول لبنان ودور كل منهما في الاستحقاق الرئاسي، حيث تحاول السعودية لعب الدور الأساسي إقليمياً في تحديد اسم الرئيس اللبناني بالتفاهم  مع الأمريكان وإن أمكنهم التوافق مع الإيرانيين والفرنسيين، وبالتالي إخراج سوريا كلاعب أساسي من الاستحقاق الرئاسي( صفعة بصفعة ) والذي كانت سوريا على الدوام لها تأثير ونفوذ في اختيار الرئيس،  أي محاولة السعودية تعويض خسارتها في العراق بتحقيق نصر ما في لبنان. وهي بذلك تصطف موضوعياً إلى جانب الأمريكان في الضغط على لبنان ،وقواه السياسية المتحالفة معهم رغم معرفتها بالعراقيل والانقسام الداخلي الحاد في لبنان، الذي يضع في وجهها المتاريس المختلفة ، خصوصاً وأن النظام في سوريا واحدة من وظائفه في المنطقة حماية الرئاسة المارونية، وبالتالي لن يتخلى النظام عن حقه ( من وجهة نظره ) في المشاركة الفعلية بالاستحقاق الرئاسي اللبناني لكي يبق له حصة الأسد ( مجلس النواب  ، وكلمة في قصر بعبدا) وعلى السعودية أن تكتفي بدورها في رئاسة مجلس الوزراء أي داخل الطائفة السنية ( الذي ساهم فيه النظام السوري بتسهيل دور الحريري ) والشهر القادم سيكون شهراً مهماً في تحديد تكتيكات الولايات المتحدة وحلفائها  ومن بينهم السعودية تجاه المنطقة ومنها  سوريا ، وكذلك تكتيك المحور الإيراني السوري . وهل سيكون التوجه نحو التسوية مع سوريا وإيران؟ خصوصاً والولايات المتحدة تسير نحو الانسحاب التدريجي من العراق وهذا يقوي الدور الإيراني والسوري، ويضعف حلفائها من العرب ، والدعوات الأمريكية لحل القضية الفلسطينية لا يعدو تسويقاً إعلامياً ربما لتغطية الفشل في العراق والانسحاب منه، وتوجيه الأنظار إلى  نصر ما لإسرائيل من خلال تطبيع السعودية مع إسرائيل، وإبقاء سوريا خارج التفاوض، وكذلك حماس بما بجعل الحل المطروح فلسطينياً (حل غير قابل للحياة نتيجة لأسباب عديدة ). هذا باختصار قراءتي للأزمة السورية السعودية .                                                                                            حسيبة عبد الرحمن

 

خاص – صفحات سورية -

 

 

 


صفحات السياسة 4:54 pm

بشير البكر

يثير الفيلم الوثائقي عن تهجير مسيحيي العراق من بغداد والبصرة والموصل الشجون ويوقظ الكثير من المواجع، ورغم الإنشائية والتقريرية التي تغلب عليه، فإن الحقائق المأساوية التي يحفل بها تصفع المشاهد الى حد الألم والبكاء.

 

إن الأمر يبعث على التأثر حين يقف المرء أمام كمية كبيرة من التفاصيل لم يكن يعرفها، أو أنها غابت عنه في زحمة مهرجان الدم الذي لا يتوقف في العراق. وأكثر الحقائق قسوة تتمثل في أنه لكثرة ما يقتل من العراقيين الابرياء في كل يوم، فإن قضية المهجرين من ديارهم لم تأخذ الاهتمام الذي تستحقه، بل لم يأبه بها أحد على نحو جاد حتى الآن، ولأن التهجير القسري صار سلاحاً من أسلحة النزاع الدائر، فقد تحول إلى فعل عادي يمارسه الجميع ضد الجميع، ولهذا فإن تهجير المسيحيين يبدو مسألة لا تلفت انتباه أحد.

 

لكن الفيلم الذي أنتجته قناة “عشتار” الفضائية العراقية، وتم عرضه مؤخراً في “نادي الصحافة العربية” في باريس، هو محاولة متواضعة لإطلاق صرخة في برية الصمت المترامية الأطراف من أجل لفت الانتباه الى هذه المسألة الخطيرة، وبالتالي فإنه دعوة للتوقف أمام قضية التهجير في العراق بشكل عام، والمسيحيين على نحو خاص. وذلك انطلاقاً من الأرقام التي نشرها مؤخراً الصليب الأحمر الدولي، والتي تفيد بأن 4،2 مليون عراقي اضطروا الى ترك منازلهم منذ الحرب على العراق سنة ،2003 منهم 2،2 هجروا داخل العراق، والبقية توزعت في الخارج وخصوصاً في سوريا والأردن. ويكشف الفيلم عن أن مأساة المسيحيين مضاعفة بالقياس لبقية المهجرين العراقيين، وذلك لعدة أسباب: الأول أن المسيحيين ليسوا طرفاً مباشراً في اللعبة السياسية أو النزاعات وتصفية الحسابات الطائفية والعشائرية، لا قبل الاحتلال ولا بعده، وقد تعايشوا مع الجميع، وبالتالي ليست هناك فاتورة يتوجب عليهم دفعها لأحد. الثاني أن المهجرين من الطوائف الأخرى يجدون على العموم ملاذاً لدى المناطق التي يسكنها أبناء طائفتهم، أما المسيحي اليوم فليس أمامه غير طريقين، فإما أن يقصد المنطقة الكردية حيث الأبواب مفتوحة له على مصاريعها أو أن يسلك طريق المنفى. ثالثاً أن المسيحي بات ضحية لبعض قوى التطرف الديني، التي صارت تمارس بحق أبناء هذه الطائفة اضطهادا يبدأ من إجبار نسائهم على ارتداء الحجاب، وترك دينهم واعتناق الإسلام أو دفع الجزية! وقد كان مصير من رفض ذلك إما القتل أو الطرد من بيته، وبذلك أصبحت منطقة الدورة في بغداد أشبه بخرابة، وهي التي كانت مهرجاناً للحياة بفضل الحضور الآشوري.

 

لم يرتكب المسيحيون جناية بحق العراق أو أحد من أهله لكي يعاملوا على هذا النحو البعيد عن الأخلاق، ولا أظن أن عراقياً مهما كانت طائفته تطاوعه نفسه لارتكاب تجاوزات من هذا القبيل. من المؤكد أن هناك ممارسات متخلفة تقف من ورائها بعض قوى التطرف الديني، إلا أن المسألة لا تقف عند هذا الحد وهي أبعد من ذلك بكثير، ومن يقف وراء ذلك يقوم به بوعي تام، وهو في جميع الأحوال لا يريد لهذا البلد أن يبقى مكاناً مثالياً للتعايش بين مكوناته المختلفة، وهدفه البعيد هو ضرب صيغة الشرق العربي القائم على التعدد والاختلاف، والذي يكمن غناه الفعلي في تنوعه عرقياً وطائفياً وثقافياً. إن كل من زار العراق قبل كارثة الاحتلال لابد أنه وقف على اللمسة الخاصة التي أعطاها المسيحيون للعراق، وذلك نابع من أصالتهم وتجذرهم في تربة وهواء وماء هذه الأرض منذ آشور بانيبال. إن الهدف لا يخفى من وراء مشروع التهجير هذا لأنه بذلك يسهل محو ذاكرة العراق، وقتل روحه، وشطب خمسة آلاف سنة من تاريخ الحضارة الإنسانية.

 

لا ينفرد المسيحيون عن بقية العراقيين في مواجهة هذه الحال المزرية، إلا ان مأساتهم تبدو مركبة، فالمسيحي العراقي محروم قبل كل شيء من الغطاء الطائفي الداخلي في الظرف الراهن، ولهذا فإنه ترك خارج دائرة المحاصصة الطائفية في الحكم، التي قام على أساسها الوضع في فترة ما بعد الاحتلال، ورغم أن هناك وزراء مسيحيين في الحكومة الحالية، فهم ليسوا محسوبين على حصة الطائفة المسيحية، بل على حصة الطرف الكردي، وهنا تكمن المفارقة الفعلية. وقد اعترف فريد عقراوي مدير القناة التي أنتجت الفيلم والتي تبث من المنطقة الكردية، بأن المكان الوحيد الآمن بالنسبة للمسيحيين اليوم هو الإقليم الكردي، بل إن المسيحيين الذين جرى تهجيرهم من هذه المناطق خلال فترة حروب بغداد مع الأكراد، بدأوا بالرجوع الى قراهم، وأخذوا يعيدون تعميرها. وإزاء هذا الوضع لا يعفي المراقب نفسه من طرح عدة أسئلة: أولاً، لماذا يحسب المسيحيون على الأكراد سياسياً؟ ثانياً، لماذا يقبل الأكراد بعودة المسيحيين ويعملون على طرد العرب والتركمان من كركوك؟ وثالثاً، ألا يضر هذا الخيار السياسي بالمسيحيين، خصوصاً أن الأكراد طرف أساسي في اللعبة الكبرى، ثم في نهاية المطاف ما هو دور الامريكيين في دفع المسيحيين نحو ذلك، وأين هم حكام العراق من هذه المأساة؟

 

إن الخطر الأكبر الذي سيترتب على التهجير اليوم ليس فرض الفرز السكاني بالدم، وزرع الأحقاد بين الطوائف والأعراق فقط، بل نهاية العراق كصيغة، ومن ورائه الشرق ككل

خاص – صفحات سورية -

 

صفحات السياسة 4:54 pm


نصر شمالي

بسبب موقعها الجغرافي وموقفها السياسي تستقطب سورية الاهتمام المركز والجهود المكثفة من قبل القوى الدولية والإقليمية، الصديقة والمعادية، فهي جغرافياً في مركز ميدان الصراع الهائل المحتدم، الممتد غرباً حتى سواحل الأطلسي وشرقاً حتى سواحل قزوين، وهي سياسياً تشكل صمّام الأمان لجبهات المقاومة المحيطة بها، وتشكل معوّق انسياح الاحتلال والهيمنة المعادية.

 

لقد رأينا قبل أيام كيف لجمت واشنطن غطرستها، ووافقت على توجيه الدعوة إلى دمشق لحضور المؤتمر أو الاجتماع الذي دعا الرئيس بوش لعقده في الولايات المتحدة، في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، ثم رأينا كيف اشترطت سورية، على لسان رئيسها، أن تتناول أعمال المؤتمر أو الاجتماع مجمل قضايا الصراع العربي/ الصهيوني، بما فيها قضية الجولان السوري المحتل منذ عام 1967، وبما أن الاستجابة لهذا الشرط، خاصة ما يتعلق بالجولان، تبدو شبه مستحيلة، فإن ذلك يعني كأنما سورية اعتذرت عن تلبية الدعوة!

الأهمية الاستراتيجية لهضبة الجولان

 

تشكل أراضي هضبة الجولان المحتل المساحة الرئيسية من أراضي محافظة القنيطرة التي تبلغ مساحتها الإجمالية 1860 كم2، حيث مساحة الجولان هي 1154 كم2، ويبلغ طول حدوده الغربية مع فلسطين المحتلة حوالي 77 كيلو متراً، وحدوده الجنوبية مع الأردن حوالي 14 كيلو متراً، وحدوده الشمالية مع لبنان حوالي 20 كيلو متراً، أما وسطي طول الهضبة من الشمال إلى الجنوب فهو حوالي 64 كيلو متراً، وأما وسطي عرضها من الشرق إلى الغرب فهو حوالي 20 كيلو متراً، ويبلغ طول خط وقف إطلاق النار من الشمال إلى الجنوب حوالي 80 كيلو متراً.

 

ولمرتفعات الجولان ميزة عسكرية هامة جداً، فهي تشرف بالرؤية المباشرة على مساحات كبيرة في الجهات كافة، فمن قمة جبل الشيخ تمكن رؤية كامل لبنان تقريباً، والجزء الشمالي من الأردن، والجزء الجنوبي من سورية، كما أن باستطاعة الكشف الراداري تغطية دائرة واسعة تتجاوز الدول المجاورة إلى القسم الشرقي من البحر المتوسط وسيناء والبحر الأحمر، والحدود السورية العراقية، ولذلك أطلقت على جبل الشيخ صفة: الأواكس الثابتة!

 

وجدير بالذكر أن عدد السكان الذين هجّرهم الاحتلال من الجولان كان حوالي 131 ألف نسمة عام 1967، أما اليوم فقد بلغ عددهم أكثر من نصف مليون، وأما الذين بقوا في بلداتهم بعد الاحتلال فقد كان عددهم حينئذ ثمانية آلاف، وبلغ في عام 2006 حوالي 21 ألفاً، علماً أن عدد المستوطنين اليهود حوالي 20 ألفاً! (المصدر كتاب: مسيرة تحرير الجولان – عميد د. رزق الياس).

الإمبراطورية البريطانية وأهمية سورية

 

استطراداً نقول أن سورية الحالية ليست سوى جزءاً من سورية الطبيعية، أو بلاد الشام، ولعله من المفيد التذكير، في الظروف الراهنة التي تجتازها بلادنا، أن الاهتمام الاستعماري المباشر بموقع سورية الطبيعية يعود إلى أواسط القرن التاسع عشر، فعلى أثر محاولة محمد علي باشا إقامة دولة عربية كبيرة، تضم مصر والسودان وبلاد الشام والجزيرة العربية (1830-1840) كتب وزير الخارجية البريطاني اللورد شافتسبري، بتاريخ 25/9/1840، قائلاً: إنها ضربة لبريطانيا إذا ما استولى أي من منافسيها على سورية، فالإمبراطورية البريطانية الممتدة من كندا غرباً إلى الهند واستراليا شرقاً سوف تقطع إلى نصفين! أضاف شافتسبري متسائلاً: ألا تستدعي السياسة أن تقوم بريطانيا بتنمية قومية اليهود، وبذلك سيعود لها فضل العمل على استيطانهم في فلسطين؟

 

 وسرعان ما اقترن القول بالفعل، وانطلقت عملية إكراه اليهود على الانخراط في المشروع البريطاني الاستيطاني، وهم الذين كانوا قد اندمجوا في بلدانهم منذ الثورة الفرنسية، فظهرت في تلك الفترة تحديداً حملات ضدّ اليهود واكبت الدعوة لاستعمار سورية الطبيعية وضمنها فلسطين، وهي الدعوة التي أطلقها شافتسبري وأمثاله، وصار ينظر إلى اليهود على أنهم ساميون متخلفون لا يمكنهم الاندماج في القوميات الأوروبية! لقد رفع في أوروبا حينئذ شعار النقاء العرقي العنصري، استناداً إلى النظرية الداروينية التي اكتسحت بريطانيا ودول أوروبا عموماً!

ماذا حدث عام 1948؟

 

وبما أن المجال لا يتسع هنا لعرض تاريخي ننتقل فوراً إلى مفصل عام 1948، لنرى دولة الانتداب البريطاني تعلن عن انسحابها فجأة من فلسطين، وتقدم بنيتها التحتية لليهود الصهاينة كي ينهض عليها كيانهم فوراً باعتباره دولة! وفي حرب ذلك العام كان مجموع القوات اليهودية المقاتلة، النظامية وشبه النظامية، حوالي 90 ألفاً مقابل 33 ألفاً من القوات العربية النظامية وشبه النظامية! وقد انضم إلى سلاح الجو الإسرائيلي عدد من الطيارين والملاحين والفنيين الأجانب بلغ 660 شخصاً بينهم 154 طياراً، أي أن اليهود الصهاينة خاضوا الحرب بسلاح جوّ أجنبي! وقد بلغ عدد الطائرات الأجنبية 213 طائرة من مختلف الأنواع، قابلتها 131 طائرة عربية! (المرجع ذاته)

 

الخلاصة: إن الظروف التاريخية التي أتاحت للإنكليز المضي في مشاريعهم الاستعمارية إلى نهاياتها على مدى أكثر من قرن تبدو اليوم وقد تغيرت، وأنها لن تسمح لورثتهم الأميركيين بالمضي على المنوال ذاته، لا في سورية الطبيعية ولا في غيرها.

 

إن ما أصبح متاحاً اليوم هو إمكانية تغيير العالم نحو الأفضل، ولعل العرب ينهضون بالعبء الأساسي في عملية الانتقال المرجوة هذه!

خاص – صفحات سورية -

 

صفحات السياسة 4:53 pm


نصر حسن

يمر العيد بملامح متناقضة تعكسها غياب فرحتة ببساطتها وعفويتها وصدقها، ومع كونه حاجة تتجدد فيها الروح والنفس والعقل والتفكير رقياً نحو تنمية الوعي الإنساني والتكافل الإجتماعي وعيش لحظاتها بماتعنيه من تنمية قيم المشاركة والتآلف في فرحة عامة تكون ملامحها واضحة على الناس وصارخة في سلوك الأطفال وتداعياتهم،كونهم هم المرآة الحقيقية التي تعكس الواقع وماهيته في هذه اللحظة التي تسمى العيد…كلمة تحمل من المعنى العام والفرح الجماعي مايجعل لها طعماً خاصاً ولوناً خاصاً وصفاء ً في النفوس، ربما أصبحت الآن من المحاصرات في حياتنا، أين هي الآن فرحة العيد وطيبتها وصخبها وفوضاها؟! من صادرها؟! من سرقها من عيون الصغار والكبار في هذا الوطن الجميل؟! من شوه طقوسها ولونها بالحزن والألم في وجوه الناس جميعاً؟!.

 

إنه العيد، الجانب المضيئ في ذاكرة الأمم والشعوب، فرحة لامعنى فردي لها، ولوحة لامعنى فيها بلونها الواحد، ومناسبة لاقيمة لها بدون ساحتها الجغرافية ودلالاتها القيمية والإجتماعية والإنسانية…إنها التواصل مع المجموع… أين أنت أيها العيد؟ أين أنت أيتها الشعوب التي صنعت التاريخ؟ من يدري أن غولاً بشرياً سيفترس فرحتها ويبعد ظلالها الجميلة عن الناس ويفرض شكلاً آخر وطعماً آخر وملامح أخرى لاتشبه شيئاً سوى الحزن، من يسرق بسمة ويسجن فرحة ويضحك بملء فيه على شعبه وأمته، ما هذا، وماذا يسمى ومن أي صنف هو؟! لاشك أنه من صنف لايمت لبني البشر والإنسان والحياة بصلة من الصلات…إنه الغول البشري؟! من يدري أن عيون الصغار والكبار ستحرم يوماً من فرحتها ودنياها؟! أنت العين وأنت البسمة وأنت الأمل أيها العيد الفقيد في هذا الوطن الأسير، لازال العيد يمثل لغزاً بعض رموزه الأمل، وبعض كمون الأمل هو حلم يتحقق وفرح قادم على الطريق.

 

العيد هو الأمل أو بقاياه، وهو في بعض مقدماته عمل وصبر وشحذ الهمة والروح وفرح وتفاءل وتحفذ للمستقبل من جديد،وبعض نتائجه نبض لا يتوقف ويتحرك دورياً في مساره الكوني، العيد هو الأمل ومن الأمل في لحظات التاريخ المظلمة يخرج النور وتتجدد إرادة الحياة، وفي حال الشعوب العربية ومنها الشعب السوري، عندما يغتصب فرد واحد حياته ويجرده من كرامته وفرحته وحتى إنسانيته ويستهلك كل محدداته الروحية والمادية والمعنوية ويحصره في اليأس والتطرف والفساد والنفاق، تصبح الحالة أشبه بمسلسل " باب الحارة " الذي عرض في شهر رمضان الحالي، ولم يحالفني الحظ بمشاهدة سوى بضعة حلقات في نهايته، وأكثر ماشدني هو براعة المخرج في وصف الواقع السوري "الحارة " ومفرداتها اليومية والإجتماعية في ظل نظام مبتسر يلغي العدل والقانون،وتضارب المصالح الفردية والجماعية بشكل صريح، بكل تأكيد برع المخرج في تصوير بعض العادات والتقاليد ونظام "الحارة" العام، وعكس بإتقان تفاوت مستويات الكبرياء والوجدان والرجولة وقيم "الحارة" عبر حبك محكم لعلاقات أفرادها بتوتر متصاعد على تخوم فاصلة بين الأنانية والمصلحة الفردية والهم الجماعي العام، بين الأصالة والرجولة، بين الصدق والشهامة وبين الغدر والوشاية وبين " أبو شهاب " و"الظابطية " التي تمثل سلطة مظهرية كثة في قمة الإنهيار النفسي والمادي والأخلاقي.

 

باب الحارة هو ملخص كوميدي لوطن مستباح ومع كون الظابطية " النظام " هو صورة مصغرة لواقع حقيقي تعيشه سورية في ظل "ظابطيات" أكبر حجماً وأشد فساداً وفتكاً وأكثر انهياراً إلا أنه يعكس علاقات الواقع السياسي والإجتماعي والأخلاقي في مجتمع يصر النظام " الظابطية " على تلغيمه من الداخل بالمخبرين واصطياد الفجوات الداخلية بين علاقات أبناء المجتمع ليزداد نهبه وسرقته بكل الطرق الدنيئة وغض النظر عما يحدث في الخارج، نظام لاعمل ولاهم له سوى محاصرة الشعب في حياته وفي تنغيص يومه وغده، يصر على صناعة الفتن وتخريب النسيج الإجتماعي والعبث بيومه ودفع الأفراد إلى العيش وسط دراما مستمرة لاتعرف الفرح ولاتعرف السعادة وتغوص في سراديب "الظابطية " الخائفة من تلاحم الناس حول الحفاظ على شرف" الحارة "، والحال كذلك في حاضر سورية المستباح، ومع غموض بشائر الواقع السوري يبقى هناك بعض الأمل بعيد قادم وفرحة قادمة يمثلها تلاحم المجموع حول رموزه الحية التي تحافظ على كرامته وكبريائه والتي يمثلها " العكيد " هنا بالضبط تكمن الدراما السورية الحقيقية حيث أقصى النظام كل الرموز السياسية والفكرية والثقافية والأخلاقية وتخلى عن مسؤوليته وحصر الشعب في مستنقع الصراعات الداخلية والخوف والإنهيار.

 

العيد فقد معناه في واقع الشعب السوري وكل الشعوب العربية ولم يتبق منه سوى الكمون القيمي والأخلاقي والحضاري في ذاكرة الشعوب، الذي يحتاج من يحفزه ويحركه ويتجاوز حاجز الخوف لدى الناس وكشف أن " الظابطية " التي تمثل النظام هي مرعوبة وخائفة وضعيفه ومنهارة وتغطي نفسها بمظهرية البوليس الزائفة، وعليه لابد من تنشيط الروابط الحقيقية بين الشعب واستعادة ذاكرته العامة الحقيقية ووعيه بظروفه والوقوف بجرأة أمام رموز النظام الأمنية المنهاره، التغيير هو معنى من معاني العيد وعودة ذاكرة الحياة والتجدد والأمل بالخلاص من الخوف والرعب وعودة الفرحة والوحدة والحفاظ على الأرض والعرض والمقدسات وطقوس الحارة " الوطن"،المفردات التي لم تعد تعن في نظر الظابطية " النظام " شيئاً.

 

 

العيد في سورية وفلسطين والعراق ولبنان وكل الدول العربية والإسلامية هو أسير "ظابطيات " أشد رعباً وأشد بؤساً وأكثر انهياراً من "ظابطية أبو جودت" في باب الحارة…ولعل بعض الأمل يكمن في هذه المشاهدة الكبيرة على عموم الساحة العربية لباب الحارة وهم يعرفون أن حارتهم الكبيرة هي ماتعرضه الشاشة الصغيرة في أمسيات الشهر الفضيل…لانراه ضياع لوقت محاصر بقدر مانراه أملاً بعيداً جديداً وفرحة جديدة ويقظة قادمة… هي فرحة قادمة مع "العكيد " الذي يتململ في كل بيت وفي كل مدينة وفي كل شعب وهو في طريقه إلى الخروج من لحظات الدراما التي يعيشها في ظل "ظابطيات" شاخت زمنياً ووطنياً وإنسانياً وهي على أبواب الرحيل… الفرحة قادمة وحركة التاريخ لن تتوقف ودمشق عانت من الإحتلال وبغداد وفلسطين وبيروت وكل هذا الواقع العربي هو مع موعد الفرح الكبير…الفرح برجوع الشعب إلى حقيقته والوقوف بوجه الطغاة والجلادين سارقي فرحته…إنها فرحة العيد وظهور "العكيد" وانهيار الظابطية العربية الخائفة… إنها صوت الشعب الذي بدأ يردد همساً كافي… وبدأ الهمس يتردد عالياً لابد من الخلاص…نريد الفرح والعيد والحرية.

 

د.نصر حسن

خاص – صفحات سورية -

 

صفحات السياسة 4:53 pm


علي الرز

من سمع الخطاب الناري للرئيس السوري بشار الاسد عقب انتهاء حرب يوليو 2006، ومن تابع كيف خوّن الغالبية اللبنانية واعتبرها منتجا اسرائيليا مطالبا باسقاطها لأنها كانت تمتلك رأيا مخالفا لاطلاق حرب في هذه الظروف، ومن توقف عند هجومه حتى على زعماء عرب اعترضوا على الحرب معتبرا إياهم «انصاف رجال»، ومن شاهد مقابلة الدكتور بشار مع الاعلامي حمدي قنديل وفيها ان التحضيرات الداخلية السورية تكثفت في اطار تعميم ثقافة المقاومة… من فعل ذلك لم يكن يتوقع بالطبع ردا سوريا عسكريا سريعا على اي انتهاك اسرائيلي، لكنه لم يكن يتوقع ايضا حجم الصمت «السياسي» و«الشعبي» ازاء الانتهاكات الاسرائيلية للاجواء والارض في سورية.

 

 لا شك في ان دمشق عندما تريد ان ترد على اسرائيل او تعلن الحرب فإن وزير دفاعها لن يعقد مؤتمرا صحافيا يشرح فيه طبيعة الرد، ولن تنفذ وزارة الاعلام السورية زيارة ميدانية الى الحدود في الجولان تشرح فيها للاعلاميين الامكنة التي ستضربها المدفعية او ستقصفها الطائرات، كذلك فإن خطة الهجوم لن تكون مدار بحث مع ضيوف لبنانيين وعرب واجانب… ولكن ان تخرج تظاهرات في دمشق ومختلف المدن السورية احتجاجا على غارات اسرائيلية على لبنان ولا تخرج تظاهرة واحدة احتجاجا على غارة اسرائيلية على سورية ولا حتى ندوة او بيان من قوى سياسية فهو امر يقتضي التأمل.

 

منذ 1973 وسورية ترد على اي انتهاك اسرائيلي لاجوائها بالعبارة التالية: «نحن نختار مكان المعركة وزمانها». وهي عبارة تدل على جملة عوامل تتعلق بموازين القوى من جهة وبالحسابات السورية الداخلية والخارجية من جهة اخرى. مرة واحدة فقط منذ ما يزيد على 34 عاما خرقت هذه المعادلة او بالأحرى اخترقت عام 1982 حين فرضت حسابات الفلسطينيين والاسرائيليين وبعض الانظمة العربية اجندتها الحربية على لبنان وسورية فدخلت الاخيرة لا اراديا معركة جوية كبيرة في اجواء البقاع سقط على اثرها عدد كبير من مقاتلات الميغ، اضافة الى معارك ارضية لمنع تقدم الجيش الاسرائيلي كان ابرزها واحدة عند الطريق الدولي بين لبنان وسورية واخرى في منطقة المتحف في بيروت المحاصرة.

 

يومها، كانت القيادة في دمشق في أوج الغضب من انفلات السلاح الفلسطيني واليساري اللبناني من ساعة الضبط السورية على رغم ان الاجتياح كان من انتاج واخراج وتنفيذ اسرائيل المستفيدة من جبهة شرقية ملتهبة بفعل الحرب الايرانية العراقية، ومن خليج خائف متوتر ومن مصر كامب ديفيد ومن انقسام لبناني مريع سهل وصول قواتها الى بيروت خلال ايام فقط للقضاء على منظمة التحرير… رغم ذلك كان الرئيس حافظ الاسد متضايقا جدا من اسلوب ادارة الصراع حيث تشاركه فصائل فلسطينية متحالفة مع احزاب يسارية لبنانية قرار الحرب والسلم، وحيث تفتح هذه المشاركة ثغرات كبيرة تعقد امساكه بالورقتين اللبنانية والفلسطينية وتجعل احتمال توريط الجيش السوري في معارك كبيرة ممكنا حتى لو لم تكن الجهوزية حاضرة.

 

ويومها، والتاريخ ليس ببعيد، اكملت سورية على ما تبقى من منظمة التحرير اثر قرار مركزي اتخذ بعدم السماح بتكرار ما حصل، وبتسلم القرار اللبناني كاملا بدعم من الحلفاء المقاومين للاحتلال من دون اي مشاركة فلسطينية. دعمت دمشق انشقاقا في حركة «فتح» اسمته «فتح - الانتفاضة» (تفرع منه لاحقا تنظيم «فتح الاسلام») وتم استهداف المقار العسكرية الفلسطينية التي بقيت سالمة في البقاع، وقتل القائد الفلسطيني الكبير ابو الوليد، ثم حوصرت طرابلس عندما عاد اليها ياسر عرفات بحرا وقصفت ودمرت، لتنتهي الحرب السورية على المدينة برحيل عرفات كما اتى عن طريق البحر فيما كانت قواته سبقته الى تونس ومصر.

 

ومن 1982 الى يومنا الراهن، عادت عبارة: «نحن نحدد مكان المعركة وزمانها» رغم كل المعارك العسكرية التي شهدتها ساحتا الجنوب اللبناني وفلسطين، وكان لسورية الدعم الكبير في امداد المقاومين بالسلاح والتدريب والتغطية السياسية، واستمرت العبارة مع تحليق الطيران الاسرائيلي فوق دمشق واخيرا مع الغارة التي شنت على موقع في شمال سورية.

 

انسجمت سورية مع نفسها واقعيا وعمليا عندما رددت هذه العبارة، فهي دولة تحسب تماما ارقام الربح والخسارة نائية بنفسها عما يريده شارع مطوع الى حد كبير ومسير بدرجة متقدمة. فدمشق تعلم ان مصلحتها تكمن في عدم الرد على اسرائيل في الوقت الذي تريده اسرائيل وربما في اي وقت. وهو ادراك محق وأدعى إلى الهدوء، خصوصا بالنسبة الى الوجه الآخر من صورة شارع يموج او ثوريين يتحرقون شوقا الى معركة، أي معركة. بل هو أدعى إلى أن تعمم سورية هذه السياسة الواقعية بالنسبة الى الساحتين اللتين ما زالت تتحكم الى حد كبير بقرار المواجهة فيهما، اي لبنان وفلسطين، متذكرين كيف حصلت حرب يوليو 2006 وكيف انتهت وما هي تداعياتها على الداخل اللبناني بعد خطاب الرئيس الاسد.

 

تحصل غارة في سورية ولا تخرج تظاهرة ولا تعقد ندوة ولا نسمع بأي حملات شعبية للتنديد والتعبئة بل عبارة الرد في المكان والزمان المناسبين. نتمنى ان يحصل ذلك في لبنان الذي حرر المقاومون ارضه عام 2000، وان تقتدي الحكومة المركزية او السلطة بالحكم في سورية فتقيس حسابات الربح والخسارة عند مناقشة اي رد على انتهاك اسرائيلي، وتتمكن بهدوء وسلام من مناقشة ابعاد خطف جنديين من داخل الخط الازرق. نتمنى ان يحصل ذلك بحس وطني عال تماما كالحس الوطني العالي الذي تتمتع به السلطة في سورية، مع ضمان ألا يذهب اي مسؤول لبناني الى ما ذهب اليه وزير الخارجية السوري وليد المعلم حين اعتبر الداعين الى فتح جبهة في الجولان بأنهم متآمرون على سورية.

 

سورية على حق في طريقة مقاربتها للانتهاكات الاسرائيلية، وسورية واقعية جدا في استعدادها لمعاودة المفاوضات مع اسرائيل حول الجولان من دون اي شروط مسبقة، مسقطة اي تحفظ بما فيه «وديعة رابين»… وليكن هذا ديدن اللبنانيين في مقاربتهم لاستعادة مزارع شبعا، ولتدفعهم واقعيتهم ووطنيتهم وحرصهم على الاستقرار والسلم الى الاقتداء بالتجربة السورية، بحيث يتحدد الرد على عدو لئيم غادر في المكان والزمان اللذين يرى جميع اللبنانيين انهما يتوافقان ومصلحة البلاد العليا، بعيدا من سياسات التخوين والتخريب والتعطيل واجهزة التنصت التي تكشف للمعتصمين في وسط بيروت ما يدور في الغرف المغلقة بين بيروت وواشنطن وتل ابيب وفرنسا.

 

GMT 23:15:00 2007 الجمعة 12 أكتوبر

           

 

الرأي العام الكويتية


صفحات السياسة 4:53 pm


علي العبد الله

وضعتني الظروف، خلال فترة اعتقالي عام ،2005 في مواجهة عدد من المنتمين إلى السلفية الجهادية، حيث تواجدنا في غرفتين منفردتين متقابلتين (أنا في منفردة ،5 2  2م وهم 4 حشروا في مثلها) وهذا سمح بحصول حوار متقطع وحاد. فقد تنبه السلفيون إلى وجودي إلى جوارهم من خلال حديثي إلى الصديق (رياض حمود الدرار، حكمته محكمة أمن الدولة العليا ب 5 سنوات على خلفية المطالبة بالإصلاح والعمل من خلال لجان إحياء المجتمع المدني) الذي يحتل غرفة مماثلة مجاورة، حول القرآن الكريم، فبادر أحدهم إلى سؤالي إن كنت إسلامياً، وعندما أجبته ب “نص نص”. سألني إن كنت إخوانياً. وعندما أجبته بالنفي وأضفت أنا اعتبر العروبة والإسلام ثوابت في الهوية العربية والنظام الديمقراطي الحكم الصالح، قطع الحديث بالقول سنتحدث لاحقاً. ولم يأت هذا ال “لاحقاً”.

 

مرت فترة طويلة قبل أن اسمع صوت الشاب الذي حدثني ثانية، حيث أتاح وصول معتقل جديد مرحّل من المملكة المتحدة إلى منفردة مجاورة، سماع صوت السلفي ثانية، فبعد أن تحدثنا إلى المعتقل الجديد وعلمنا منه أن والده من حركة الإخوان المسلمين، حيث تحدث السلفي إليه حول “أصحاب” والده، يقصد حركة الإخوان المسلمين، قائلاً: “إن أصحاب والدك بلغوا، بقبولهم الحوار مع السلطة وتبني الأساليب السلمية في العمل السياسي، حد الشرك”. مبرزاً أن معيار الإيمان هو الجهاد المباشر والقتال ضد الكفار والمشركين. ثم انبرى يحذره من التحدث إلينا أو المشاركة في الحوارات التي كانت تجري ليلاً بين الذين يحتلون المنفردات المتجاورة (وليد البني وفواز تيلو وحبيب عيسى من معتقلي ما وصف ب”ربيع دمشق” والذين وضعوا في منفردات منذ سنوات، بعد الحكم- 5 سنوات لكل منهم- الذي أصدرته ضدهم عام 2001محكمة أمن الدولة العليا، التي تعمل بموجب حالة الطوارئ المفروضة في سوريا منذ أكثر من أربعين عاماً) وأنا والصديق رياض حمود الدرار من المستجدين، على خلفية اعتبارنا مشركين. واستند في البرهنة على تحريم الحديث معنا إلى الآية الكريمة: “وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم” (النساء الآية140)، وردت بنفس الصيغة في (الآية 68 من سورة الأنعام) من دون أن يكمل الآية حيث تقول التتمة “حتى يخوضوا في حديث غيره”، أي أن القرآن الكريم لا يدعو إلى مقاطعة أو اعتزال المجتمع كما تدعي الدعوات التكفيرية، وذهب في تأكيد وجهة نظره إلى اعتبار حالة النبي إبراهيم (عليه السلام) مع قومه التي أوردها القرآن الكريم دليلاً على ضرورة مقاطعة السلطة وأصحاب الرأي المخالف، حيث جاء في الآية 4 من سورة الممتحنة: “قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده” من دون أن يأخذ في الاعتبار التباين الواضح والصارخ بين الحالتين: شرك قوم إبراهيم وإيماننا، وأن خلاف إبراهيم مع والده وقومه كان حول وحدانية الإله، بينما الخلاف بيننا وبينهم ليس خلافاً في العقيدة بل في فهمها.

 

وعند الإعلان عن بدء شهر رمضان الكريم هنأت أصدقاء وزملاء المنفردات المجاورة بحلول الشهر الكريم، وأحببت أن اهنئ السلفيين، فتوجهت إليهم بالحديث فلم يردوا على تهنئتي وكأنهم غير موجودين. غير أن أميرهم (عمر) الذي استمع إلى حديثي مع صديقي رياض بعد السحور، وبشكل شبه يومي، حول آيات القرآن الكريم ودلالاتها، رأى أن يتحدث إلينا، ربما اعتبرنا حالة قابلة للإصلاح، فخاطب رياض قائلاً: إني لم أتحدث إليكم من قبل لكن عندما سمعتكم تتدارسون القرآن الكريم وجدت أنه من الضروري التحدث إليكم. وراح يحدثه عن عقيدة التوحيد. وأن النقطة الأساس الآن هي الإقرار بالإلوهية الخالصة (لا إله إلا الله)، تميز السلفية بين نوعين من التوحيد: توحيد الإلوهية الذي تعتبره التوحيد الصحيح وتوحيد الربوبية الذي تعتبره شركاً، واستشهد بالآيات الكريمة: “ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله” و”ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله” (العنكبوت 61و63) و(الآيات لقمان 25 والزمر 38 والزخرف 9 و87) والتي يقر فيها المشركون بوجود الله وبخلقه للكون، ليصل إلى استنتاج “حتى المشركين يسلمون بوجود الله وبخلقه للكون والبشر وبتدبير الكون”، ما يجعل هذا التسليم غير كاف لصحة العقيدة ويستدعي تأكيده بعقيدة التوحيد الخالصة. ثم قال له أراك وقعت في الفخ بالتحدث إلى الأشخاص الموجودين في الغرف المجاورة والذين صنفهم كفاراً على خلفية إيمانهم بالديمقراطية ورفضهم إقامة الحدود(قطع يد السارق ورجم الزاني)، واستشهد بالآية الكريمة “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون” (المائدة. 44) رد عليه رياض بالقول إنك تخلط بين القضاء وميدان السياسة، حيث يستخدم القرآن الكريم عند الحديث عن قضايا الأحوال الشخصية والاجتماعية والاختلاف حول الحقوق مصطلح “الحكم” بينما يستخدم عند تناوله قضايا السياسة مصطلح “الأمر” كما في قوله تعالى “وشاورهم في الأمر” (الآية 159. آل عمران) وأمرهم شورى بينهم (الآية. 38 الشورى). ومفردة “أولي الأمر” على الحكام.

 

صمت السلفي من دون أن يعني ذلك انه قد قبل كلام رياض أو اقتنع به، ما يعني أن الحوار المتقطع لم يسفر عن نتيجة. وقد أكد هذا الاستنتاج رد فعله على أنباء عمليات السلفية الجهادية في العراق ضد القوات الأمريكية والعراقية والمدنيين من الشيعة والأكراد التي كان يسمعها من المذياع، حيث كان يدخل في حالة فرح هستيري يعبر عنها بإطلاق أناشيد السلفية التي تحض على الجهاد والاستشهاد. وعندما اعترضنا على القتل الوحشي الذي لا يميز بين المحتل والمواطن، بين العسكري والمدني، واعترضنا على تكفير الشيعة وقتلهم على هذه الخلفية، لم يستطع الدفاع عن هذه الممارسة الوحشية أو تقديم براهين شرعية لتكفيرهم، لكن من دون أن يدين هذه الممارسة التي ربطها بسلوك القتلى السياسي قائلا: “إنهم خونة”. وإنهم  السلفيون  يناقشون كل حالة على حدة قبل القيام بأية عملية “استشهادية”، ولا يقتلون إلا الذي يثبت كفره أو شركه أو خيانته، وهذا يبرر قتلهم. وعندما اشرنا إلى القتلى من غير المستهدفين بالفتوى حل القضية بسهولة باعتبارهم قتلى الصدفة وأطلق عليهم صفة شهداء الصدفة، ما يعني أنه منّ عليهم بالجنة.

 

يعكس الحوار السابق صورة ونمط الثقافة السائدة في أوساط السلفية الجهادية التي “تشرعن” للقتل والعنف لاعتبارات عقائدية أو سياسية على حد سواء. وهذا يستدعي جهداً ثقافياً كبيراً لإيضاح خطأ هذه الأفكار والممارسات وخطورتها على الإسلام ذاته ولحماية المجتمع، وجيل الشباب بخاصة، من تأثيرها المدمر.

 

 

 

·                              كاتب سوري

الخليج

 

صفحات السياسة 4:52 pm

-

سليم نصار

عندما بلغت أزمة الاستحقاق الرئاسي في لبنان أخطر مراحلها اهتمت القيادة السورية بمراجعة الاحتمالات المتعلقة كافة بتبعاتها السياسية.

 

وانقسم اعضاء القيادة من حزبيين وعسكريين، حول فكرة انتقاء أفضل الحلول المطلوب اعتمادها من أجل وقاية النظام وسلامته: فريق أوصى بالتهدئة وبضرورة التقيد بالوثيقة الدستورية، ولو أفرزت رئيساً ينتمي الى تيار 14 آذار. وحجة هذا الفريق ان دمشق قادرة على إزعاج أي رئيس لا يعجبها أداؤه. بينما يؤدي الفراغ في سدة الرئاسة الى تمزيق آخر خيوط الوحدة الوطنية، والى اضطرابات قد تفتح الباب أمام حرب أهلية أخرى يصعب على سورية تفادي نيرانها المحرقة.

 

الفريق الآخر المعارض لهذا الطرح الحذر، يرى ان قبول التدخل السوري المباشر في لبنان لن يتم إلا عبر الفوضى العارمة. وهو يعتقد بأن الاقتتال الداخلي سيشجع الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية، على الاستنجاد بالقوات السورية، مثلما حدث سنة 1976.

 

الخطأ في اعتماد السيناريو الثاني هو ان يكون الرهان الاميركي على مستقبل لبنان، شبيهاً بالرهان الذي انتهى اليه تدخل واشنطن في العراق. أي الرهان على نظرية «الفوضى البناءة» لانتاج ثلاثة كانتونات عراقية مذهبية - اثنية، كما أوصى الكونغرس، خصوصاً ان الرئيس جورج بوش لم يلحظ في كل طروحاته المتعلقة بمستقبل لبنان، اهمية الوحدة الوطنية، بل اكتفى بالحديث عن دور الحكومة في الحفاظ على الديموقراطية.

 

صحيفة «يديعوت احرونوت» كتبت تعليقاً حول مستقبل الشرق الأوسط، نعت فيه الكيانات القومية التي انشئت عقب الحرب العالمية الأولى في ظل الاستعمار البريطاني والفرنسي. ووصفت العراق بأنه دولة تتعرض مناطقها المختلفة لفرز عنصري ومذهبي عبر مجازر متبادلة ستؤدي الى قيام فيديرالية كيانات مستقلة للسنة والشيعة والاكراد.

 

وترى الصحيفة ان سورية وايران لن تسلما من عدوى الانقسامات العنصرية والمذهبية، في حال استمر تدخلهما في العراق ولبنان وفلسطين.

 

وتخلص الجريدة الى استنتاج مفاده: ان نشوء مثل هذا الوضع المشوش، يشكل البيئة السياسية الصالحة لاستقرار الدولة اليهودية واستمرارها.

 

واكتفى كاتب التعليق «موتي اشكينازي» برسم صورة التوقعات، من دون ان يذكر الاسباب التي انتجتها. أي انه تجاهل دور الحرب الاميركية في تقويض دائم للوحدة الوطنية داخل العراق، وتغاضى عن الفاعل الحقيقي الذي أشعل نار الفتنة.

 

يشير المراسلون الأجانب الذين ازدادت أعدادهم في بيروت، الى ان تصرفات «حزب الله» الميدانية تدل على التزامه «الخط الأحمر» الذي رسمه الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد. وهو التزام صريح بضرورة الابتعاد عن الصدام الشيعي - السني في لبنان، نظراً الى خطورة انعكاساته السلبية على الدول العربية المتعاطفة مع طهران. وبسبب الحظر المضروب على هذا الجانب من النزاع المذهبي، فإن تعطيل عمل المحكمة الدولية والاستحقاق الرئاسي يحتاج الى نزاع من نوع آخر. لذلك توقعت صحيفة «نيويورك تايمز» ان يحدث الانفجار المطلوب بين التيارين المسيحيين الموزعين بين جماعة 14 و8 آذار. وطلعت السبت الماضي بالعنوان التالي: «الانقسام المسيحي في لبنان يعيد شبح الحرب الأهلية». واستند مراسلها الخاص الى عدة معطيات سابقة تظهر ضراوة الاقتتال المسيحي - المسيحي، بدءاً من مجزرة أهدن وانتهاء بالاشتباك المسلح الذي جرى بين الجيش بقيادة العماد ميشال عون والقوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع (14 شباط/ فبراير 1989).

 

الرسالة التي بعث بها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، تضمنت اشارات واضحة الى ازدياد موجة التسلح وانتشار عمليات التدرب على القتال. وتقول الرسالة ان مجلس الوزراء طلب من أجهزة الدولة بذل الجهود كافة للحد من هذا التوجه قبل ان تتسع رقعة انتشاره وتبدأ بالتأسيس لبيئة يتأجج فيها النزاع الداخلي.

 

وواضح أن القرائن استندت الى صور التقطتها الأجهزة المختصة لمجموعات تنتمي الى تيار عون والمردة، وهي تتدرب على اطلاق النار في منطقتي الشمال وجبيل. وقد أنكر ميشال عون هذا الاتهام، وقال ان عمليات التدريب المحدودة تتم بهدف الدفاع عن النفس لأن عناصره تعرضت لإطلاق نار أثناء الإضراب الواسع من قبل جماعة جعجع.

 

جماعة 14 آذار ترفض حجج العماد عون لاقتناعها بأنه يقوم بدور المخرب داخل الوسط المسيحي، وبدور المساند لـ «حزب الله» داخل القوى المعارضة. وهي تزعم أن سورية اختارته لدور تولاه سابقاً ايلي حبيقة. وقد عهدت إلى فايز قزي بعملية الاتصال المبرمج باشراف الرئيس اميل لحود. وفي مرحلة لاحقة وافق «حزب الله» على هذا الدور بعدما تولى عدنان عضوم إلغاء كل الدعاوى المقامة ضده. وعليه يرى الدكتور سمير جعجع أن تحالفات عون الانتخابية تخضع لهذا التوجه، بدليل أن حلفاءه ينتمون إلى الفريق المتحالف مع سورية. بينما لا يرى عون في تغيير مواقفه السابقة سبباً للانتقاد لأن سورية خرجت من لبنان، ولأن علاقته الوثيقة مع «حزب الله» تشكل الضمانة السياسية لحماية مسيحيي لبنان.

 

السبت الماضي، قام الرئيس السابق امين الجميل بزيارة مفاجئة لرئيس الهيئة التنفيذية لحزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع. ومع أن أحاديثهما المتشعبة تناولت الاستحقاق الرئاسي، إلا أن الجميل أراد من وراء هذه الزيارة محو الاشاعات التي علقت في أذهان البعض حول خلافه مع جعجع لأسباب تتعلق باغتيال نجله بيار ومن ثم اغتيال انطوان غانم.

 

ويبدو أن جهات مرتبطة بـ8 آذار تبرعت بتقديم صورة شاب إلى أمين الجميل قيل إنه ارسل من قبل جعجع لاغتيال نجله. وعقب اغتيال النائب غانم، صدرت اتهامات عن جماعات تنتمي إلى المعارضة تشير إلى جعجع كأنه هو المحرض. وحول هذا الموضوع، أعلن الشيخ امين للصحافيين: «أنا كمحام لا يمكن أن اقتنع بدلائل ليست مثبتة. وما زلت ضائعاً حول هذه المسألة في ظل عدم وجود أي دليل يطمئنني إلى أننا قد نتوصل إلى نتيجة ايجابية».

 

وهكذا محت هذه الزيارة الاشاعات التي ترددت بأن جعجع يعمل على تصفية خصومه المحتملين، وبأن قتل المسيحيين يتم على ايدي مسيحيين. واغتنم جعجع هذه المناسبة ليشجب عمليات التدريب والتسلح، ويؤكد عدم وجود أي نية في الصدام بين القوات والتيار الوطني الحر.

 

المراقبون الديبلوماسيون في بيروت يحذرون من فشل الوساطات للاتفاق على رئيس وفاقي قبل 24 تشرين الثاني (نوفمبر). وهم يتخذون من تردد عون في زيارة بكركي ذريعة لاتهامه بأنه جاهز لنسف الاستحقاق الرئاسي، في حين لا يرى عون سبباً للزيارة، إلا إذا كان المطلوب اقناعه بالعدول عن قرار خوض معركة الرئاسة.

 

خصوم ميشال عون يدّعون أن الاحتكام إلى سيد بكركي يفترض قبل كل شيء، ايمان عون بأن البطريرك صفير حكم موضوعي غير منحاز. وبما أنه يرى فيه حكماً منحازاً إلى جماعة 14 آذار، فإن الاحتكام إليه يضعف معركته كمرشح جدي. إضافة إلى هذا، فإن عون يعتبر نفسه البطريرك السياسي الأكثر شعبية بين الموارنة، لذلك يرفض التنازل عن هذا الدور. تماماً كما رفض في 18 نيسان (ابريل) 1989 الاستجابة إلى البيان الذي أصدرته بكركي عقب الاجتماع الذي دعا إليه البطريرك بحضور 23 نائباً مسيحياً. ويدعو البيان إلى وقف اطلاق النار والعودة إلى استئناف الحوار وتغليب لغة العقل. وكان السفير الأميركي هو الذي اقنع البطريرك بضرورة كبح جماح عون.

 

في ضوء كل ما تقدم بعد فشل الوساطات، يصر وليد جنبلاط على انتخاب رئيس يمثل الأكثرية ولو اضطر النواب الى الاجتماع في بيت الدين.

 

وفي احتمال آخر طرحه نائب كوندوليزا رايس ديفيد ويلش على قائد الجيش العماد ميشال سليمان: إذا حدث وقامت حكومتان في لبنان أين سيقف الجيش؟

 

أجابه سليمان: اليوم الجيش يقف مع الحكومة الشرعية. أما في حال حصل انقسام أدى الى ظهور حكومتين، فإن الجيش سيبقى على الحياد.

 

وبين سيناريو الرئيسين والحكومتين، يقف النظام اللبناني على حافة الهاوية بانتظار صدامات مسلحة يخشى ان تتكرر فيها الحرب الأهلية العراقية بطريقة يصعب معها التقيد بتوصيات الرئيس أحمدي نجاد.

 

في حديث الى جريدة «الشروق» التونسية، قال الرئيس بشار الأسد في تعليقه على وضع لبنان: «ان الانقسام الحالي هو بين قوى ترهن نفسها للوطن وللعلاقات العربية - العربية، وبين قوى تربط مصير لبنان بمصير الصراعات الاقليمية التي يبدو أنها لا تنتهي في المستقبل القريب. وهذا يعني أن لبنان لن يستقر في المستقبل القريب».

 

وقد أثار هذا التصنيف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي فسر خروج الفريق الذي ينتمي اليه من العروبة التي يعنيها الأسد، بأنه دخول في عروبة العرب وخروج من عروبة ايران. وفي رأيه ان استقرار لبنان حسب تعريف دمشق، هو استقرار خبره لبنان مدة ربع قرن من الهيمنة الكاملة!

 

كاتب وصحافي لبناني

 

الحياة - 13/10/07

 

صفحات السياسة 4:52 pm


حازم صاغيّة

هناك، في لغة دمشق السياسيّة، بضع عبارات مثيرة للفضول، لا يؤول تكرارها إلا إلى مضاعفة الفضول ذاك. فحيال الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيليّة، تتمسّك سوريّة الرسميّة «بحقّها في الردّ» الذي لا يحصل، تمسّكها بـ «تحديد مكان الردّ وزمانه». وهي عبارات باتت لتردادها من المأثورات البعثيّة الطريفة، وإن أضاف إليها مؤخّراً الرئيس الأسد استدراكه المهمّ: إن الرد العسكريّ هو ما تريده لنا إسرائيل

 

ومن تلك اللغة أيضاً أننا «نرضى بما يتوافق عليه اللبنانيّون»، وأننا «نعمل لتسهيل كلّ تقارب بين العراقيّين وكلّ تهدئة للعراق تضبط أمنه وتصون دماء مواطنيه». ولكنْ أيضاً، وبلغة المراقب الحياديّ، أن لبنان لن يهدأ لأن ثمة «قوى» لا تريد له أن يهدأ إذ تعمل على ربطه بالأجنبيّ. وهو ما قد يقال أيضاً في العراق وفلسطين بألفاظ أخرى.

 

وهذا إنشاء متعالٍ من جهة، متقشّف ومتعفّف من أخرى، ينفي عن نفسه كلّ فعاليّة، جامعاً بين خيريّة كاملة لا يخالطها غرض وغرضيّة («لا أريد شيئاً لنفسي، أعوذ بالله!»)، وبين تواضع يتّخذ شكل تحقير النفس («من أنا لكي أطلب، ومن أنا لكي أؤثّر في المجريات… كلّ ما أرجوه سعادتكم»). والإنشاء، في مجمله، مصبوغ بتفجّع توراتيّ ينذر بغضب إلهيّ («إنتبهوا، إنكم تسيؤون الى أنفسكم، وبفعل ما تفعلونه، أنتم لا سواكم، فإن الغد أدهى وأعظم»).

 

الحال، طبعاً، ليست على هذا النحو، وما يجري في الواقع يستبعد التعالي استبعاده التعفّف. فالأخير، متى بولغ فيه، أخفى شهيّة وطموحاً لا يشبعان، تماماً كما أن تحقير النفس قد يكون قناعاً لـ «أنا» متورّمة يُخشى إذا ما انفجرت ألاّ يتّسع لها الكون العريض.

 

وهو سلوك يذكّر بالمستبدّ حين يسمّي نفسه «خادم الشعب» فحسب، منكراً أن يكون له مطمح شخصيّ، أو بربّ عمل جشع يؤكّد أن عمّاله أخوتُه، وأنه لا يعمل إلا لتوفير الحياة الأفضل لهم. غير أنه، مع هذا، يرفض تحسين أجورهم أو تسجيلهم في الضمان.

 

وهي، على العموم، فهلوة شرقيّة تعامل بشرها بوصفهم قوماً من البلهاء: فهم يسعهم، بعد مليون وعد من هذا القبيل، أن يتوقّعوا لحظة يقرّر فيها «البعث» مكان الردّ وزمانه، ويمكنهم أن يصدّقوا أن رضا الله وراحة الضمير هما وحدهما ما يرسم السياسة الدمشقيّة المتّبعة حيال «الأخوة» في لبنان والعراق وفلسطين.

 

وكان زوربا اليونانيّ قد نصح صديقه أنْ «دع الناس يغطّون في نومهم أيها الرئيس. فهم إذا فُتحت أعينهم ماذا يرون؟ بؤسهم. إذاً، دعهم يمضون في أحلامهم». والرئيس يسمع النصيحة طبعاً، والناس، لألف سبب وسبب، يقبلونها مسترسلين في الأحلام.

 

غير أن المستوى الآخر، الأهمّ والأعقد، يطال الصلة بين جزئي «خطاب» التعفّف والتعالي: فلو أُعلنت الرغبات الفعليّة حيال العراق ولبنان وفلسطين، لفقدت معناها محاولاتُ اتّقاء الضربات الإسرائيليّة بحجّة تأجيل الردّ أو استبعاده. وفي المقابل، لمّا كانت سوريّة متعالية، لا تردّ على انتهاكات «العدوّ»، فمن باب أولى أن تتعالى حيال إساءات «الأخوة»، تكتفي بتنبيههم الى مصالحهم.

 

وهي لغة «إستراتيجيّة» نشأت بعد حرب تشرين وفكّ الارتباط، ثم راحت تنمو بوتيرة تراكميّة، قاطعةً مع اللغة «الإيديولوجيّة» والثرثارة التي تميّز بها النظام البعثيّ بين 1963، لا سيّما 1966، و1970.

 

ففي السابق، كان اللسان الطليق قاتلاً لصاحبه ذي اليد المغلولة. أما اليوم، فاللسان مغلول واليد طليقة. والشاطر هو من يضبط اليد في جرم مشهود!

 

هكذا ينحصر السجال في الأقوال والتصريحات، فيسع دمشقَ أن تبرهن - وهو ما اتُّهم به مثقّفو اليسار في ستينات فرنسا - على عدم وجود الغولاغ عبر ترداد موادّ الدستور السوفياتيّ! ألم تدخل القوّات السوريّة الى لبنان، في 1976، لمجرّد «الدفاع عن المقاومة الفلسطينيّة والحفاظ على الديموقراطيّة اللبنانيّة؟» ألم تقل إذاعة دمشق وصحفها وخطابات قادتها ذلك؟

 

الحياة - 13/10/07

 

صفحات السياسة 4:52 pm


غسان المفلح*

1 - ليس همنا هنا إيجاد المعنى اللغوي لهذه اللفظة, وليس همنا أيضا تصنيفات راكمها وعي سوري هو مشتت أصلا حول مفهوم المعارضة, بل أن التجربة العراقية هي من فتحت لنا نوافذ ندخل منها لقراءة الذات قبل أية قراءة أخرى للآخر. وسؤال البدء: أي ذات نريد قراءتها? منذ زمن ونحن نحاول الابتعاد قدر الإمكان عن أية تنظيرات تخص التعميم العربي, والبقاء في المنطقة السورية. بما تعنيه من سورية الحالية وما يؤثر عليها أو تؤثر عليه مباشرة أي دول الجوار أقله في مرحلة نشهد فيها تشابكا محموما في تنمية علاقات جديدة في هذه المنطقة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, لكي يكون لها موضع في النظام الدولي مابعد الحرب الباردة,والذي لم يستقر بعد حتى اللحظة ويبدو أنه سيأخذ وقتا طويلا حتى يستقر! وهنالك من يقول أن هذه الفوضى الظاهرة على بحر من الدم العراقي! هي جزء من النظام الدولي الجديد! هذه تحليلات مبنية على معطيات ووقائع ربما ليست خادعة ولكنها لا تفسر كل الظاهرة أو الظواهر التي نعيش. ويبقى الميل نحو استقرار المنطقة وفق حركية القوى الفاعلة هي السمة الأكثر حضورا بالنسبة لقراءتنا لهذه الظواهر. فوضى دموية في العراق وفلسطين, لبنان مرشح, وسورية كذلك تبعا لخيارات السلطة السياسية فيها, ولقراءة هذه الخيارات أيضا. لأن خيارات السلطة السياسية في سورية لا يشاركها فيها أي طرف داخلي سوري! ربما يشاركها فيها توازنات القوى الدولية والاقليمية في زحزحات لا نستطيع قراءة مدى دورها في الحقيقة لأننا في سورية أمام طلسم من المستوى السياسي السلطوي وكأنك أمام محفل سري! وهذا أمر يخص أية سلطة ترفض المشاركة, ورفض التشاركية هو في بنية هذه السلطة وبات هذا الرفض التشاركي هو عنصر من عناصر البنية التي تنتج وتعيد إنتاج هذه السلطة. إذن نحن هنا أمام أول نتيجة: المعارضة السورية غير معترف بها سلطويا لأنها لا تشارك في أية نقطة تخص مصير بلدها! ويبقى أن قراءة هذا الطرف المتفرد في إدارة شؤون البلد محصورة في استتباب الأمن السلطوي! هذا عنوان أساس, وعليه تتمحور حسابات أصحاب القرار السياسي السوري. والأمن السلطوي ليس مدلولاته عسكرية أمنية فقط بل له مدلولات تطال عمق المجتمع السوري اقتصاديا سياسيا وثقافيا واجتماعيا ويكفي أن نشير هنا إلى أن الدائرة المصغرة للسلطة السياسية تحولت بعد وفاة الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى أكبر مستثمر اقتصادي في البلد- سنرمز لها في هذه الدراسة بالرمز- ر- , وهذا يعني فيما يعنيه أنك لست أمام انتقالات ليبرالية اقتصادية كما يقرأها بعضنا بل أنك أمام قطاع اقتصادي جديد تماما يشبه قطاع الدولة بمعنى أنك أمام قطاع يحسب على القطاع الخاص من جهة وهو يأتمر بمن له اليد الطولى في السيطرة على قطاع الدولة ويحرك القطاعين بتناغم جديد لم تعرفه أية بلاد من قبل, بشكل أكثر تبسيطا صاحب القرار في القطاعين هو واحد فيكون هنا رأسمالي وهنا يكون اشتراكي حمائي! وربما هذه النقطة سيكون لها أثر كبير على تطور مستقبل سورية ولم تعالج بما فيه الكفاية بعد, باختصار نحن أمام رأسمالي يملك أكبر الأسهم في القطاعين العام والخاص! أين هي الليبرالية التي تجتاح سورية إذن كما يرغب مناهضي العولمة واليسار المتشقق رؤيتها. وهذا ليس موضوعنا الآن ولكن الإشارة له ناتجة عن التصاق هذه الظاهرة في حديثنا عن مفهوم المعارضة وهويتها في سورية, لنحيط بالمشهد المعارض قدر الإمكان. كنتيجة أولى: ما يجري في سورية على صعيد الاقتصاد هو حركية استيلاء السلطة على ما تبقى من قطاعات اقتصادية كانت تشاركية مساهمة خاصة ..الخ أما الآن فإن السلطة وجدت معبرا لكي تستولي على كامل حركية الاقتصاد السوري! إذن نحن أمام مشهد (ضد ليبرالي) على الصعيد الاقتصادي وليس العكس. ولسنا بحاجة للتذكير أن المجموعة- ر- ليست شخصا رأسماليا عاديا يستثمر! بل هو علاقة جديدة لقيام اقتصاد جديد لم تعرفه الدول من قبل, ولنلاحظ البدعة الجديدة في عالم الاقتصاد السوري وهي اشتقاق مصطلح( السوق الاجتماعي) ?! وهل هنالك سوق غير اجتماعي في العالم?! وسيكون لنا عودة مفصلة إلى هذا الموضوع في مجال آخر. من هذه النتيجة دعونا نقيم الصلوات على سورية اقتصاديا بعد لأي من الزمن لا نراه بعيدا. لأن هذا السوق الاجتماعي الجديد هو سوق لرب عمل واحد ممسك بكل أسهمه ورأسماله وكيفية توزيع أرباحه! وهو من يحدد نسبة الضرائب على نشاطات هذا الرأسمال وآليات الدفع وسعر الفائدة في سورية وغيرها من الأدوات الاقتصادية! وعندما يسحب أمواله من سورية تصبح سورية ليس بلا أموال بل بلا شعب أيضا. ولكن الطريف بالموضوع أنه لن يجد سوقا آمنا وأكثر ربحية لأمواله هذه في العالم أكثر من سورية. بهذه النتيجة التي نراها مفصلية تتحدد بعضا من رموز الهوية المعارضة في سورية. هل نحن مع السوق الاجتماعي? هل مانراه هو أرضية للهجوم على الليبرالية الاقتصادية وتصعيدها لدرجة جعلها مؤامرة أمريكية إسرائيلية? هل مانراه يحتم علينا إعادة قراءة لآليات توزيع الثروة في سورية من جديد? وماهي هذه الآليات وما هو عائد السلطة فيها? ودورها? إنها أسئلة تحدد الإجابة عنها عنصرا مهما من عناصر هويتنا المفقودة. لنأخذ مثالا الحالة المصرية أو حالة أية دولة أخرى شبيهة بنا ونسألها: هل رب العمل الأكبر هو نفسه في قطاع الدولة والقطاع الخاص? ثم أليس الغالبية متفقة في سورية على أن السلطة هي سلطة شخصانية? هذه الشخصانية في أيام الرئيس الراحل لم تكن تمتد إلى ما تركته السلطة للقطاع الخاص كثيرا, رغم كثرة التشاركات بين رموز السلطة والقطاع الخاص! ولكن ما يحدث الآن في سورية أن هذه الشخصانية امتدت لتستولي أيضا على ماتبقى من الهامش الموجود في القطاع الخاص, عبر إيجاد أكبر مستثمر يبتلع السوق الاجتماعية! بكل نشاطاتها ومحمولا على حضور السلطة وامتيازاتها وأحكامها العرفية والطوارئ اللاقانونية! يستطيع هذا المستثمر أن يغلق ويفلس أي منافس مهما كان كبيرا أو صغيرا بقرار سياسي أو أمني أو ضريبي حيث تشكل وزارة المالية السورية فرعا من قسم المحاسبة لهذا المستثمر الأوحد والكلي- تستطيع القول هنا, أن بعضا من الإجراءات التي يمكن وسمها بالليبرالية, هي مجرد فخ لاستجلاب رؤوس أموال والسيطرة عليها عبر التشاركية المفروضة سلطويا! كما أن هذا التوسع في الاستثمار عرضيا وشاقوليا جعلك كسوري لا تنظر حولك إلا وترى المجموعة-ر-! كعلاقة اقتصادية جديدة تتحكم بالسوق السورية تماما وهي الواجهة الفعلية للسلطة المشخصنة دون أن نحدد إلى أي حد هي واجهة?! ولا نعرف مدى شراكتها في القرار الأمني السياسي أيضا! دلالة القول أننا الآن في سورية فعلا أمام كليانية اقتصادية من نوع جديد يجب دراستها ودراسة مدى التفاعلات التي تخلقها وستخلقها داخل المجتمع السوري وانعكاسها على مجمل القرار السياسي الأمني داخليا وخارجيا? وكيف نحدد معارضتنا لهذا الشكل من الاقتصاد الجديد? ثم أن هنالك علاقات تشاركية واستثمارية مع عدد من رؤوس الأموال العربية الأخرى يقودها هذا السوق الاجتماعي السوري! أيضا مادورها في صياغة علاقات سورية السياسية مع دول هؤلاء الشركاء? وتبقى المعضلة الأكثر منهجية ومعرفية من أين لنا أن نأتي بالمعلومات الدقيقة التي تجعل قراءتنا لهذه المسألة قراءة أقل تجريبية وأكثر أمانة بالمعنى المعرفي? فالسلطة هي الآن أقله في هذا المستوى عبارة عن عتمة فاضحة! وهل في النهاية مثلا: نستطيع أن نعارض هذه العلاقة دون أن نعارض شخوصها? وكيف?

 

 

-2-

ضعفنا كمعارضة تقليدية قدمت من التضحيات الكثير الكثير, ليس خاضعاً فقط لأننا لم نقم بالمرجعات المطلوبة على أنساقنا الأيديولوجية فقط, وإن كان هذا سببا, ولكن أيضا هناك مسائل عدة منها هو موضوعي, ومنها ما هو ذاتي علينا حسمها مع أنفسنا, ومنها ما يتعلق بمدى تقبلنا نحن لما هو قائم في هذا العالم عموما وفي هذه المنطقة من العالم خصوصا, تقبلنا لايعني ألا نناضل ضد كل مانراه مجحفا في حق شعوبنا, ولكن ضمن منظار نؤسس له براغماتياً, حيث مطلوب منا أن نؤسس للحد القيمي لهذه البراغماتية السياسية. لدينا حدان نتهم بهما بعضا العمالة للنظام والعمالة لأميركا, أي باختصار شديد: التمحور حول العامل الداخلي في التغيير أو التمحور حول العامل الخارجي في التغيير, والجميع يدرك أن لا تغيير في سورية أو في أية دولة من دول المنطقة من دون تداخل خاص بين الخارج والداخل, يأخذ خصوصيته من خصوصية كل دولة من دول المنطقة على حدا, أو ضمن شبكة العلاقات الاقليمية- الدولية, في منطقة متلبدة دوما بتنازع فعلي الهيمنة والسيطرة لأن النظام الدولي هذا الذي مازال لم يتوضع بشكله الأكثر استقرارا لم يقدم بعد مشروعاً حقيقيا لتنمية المنطقة هذا من جهة, وبانفجارات مجتمعية تصل حتى حدود الحروب الأهلية من جهة أخرى, لأن الاستبداد المزمن هنا لم يترك مجالا سوى للعنف طريقا للذات, في التعبير عن نفسها على المستويين الجامعي والفردي في كتلها الاقرب الى ذاتيتها المنهكة وعصبياتها التي لم تدخل حيز العصرنة بعد, وفي كل مرة نبدأ حيث ينتهي الآخرون, الجميع مجمع على ان من يحكم سورية هو استبداد من نوع خاص, والجميع يعاني يوميا من هذا الاستبداد كمعارضة وكشعب, لكن ليس الجميع يرى بأن الاستبداد قد شرش في عقولنا أولا وقبل أي شيء آخر, شرش في عقولنا لأننا لم نعد قادرين على تصور بديل سوري له! تارة تؤسس للتجربة العراقية سورية, وتارة تؤسس أن العالم الغربي لم يرفع الغطاء عن النظام, وتارة أخرى لأن اعاقات التغيير هي اجتماعية, وتارة نعبر بشكل موارب عن مخاوفنا على طوائفنا وأنفسنا وأهلنا, ونؤسس لهذا الخوف المشروع كأنه حكم قدري لا فكاك منه! كيف يمكن على هذه اللوحة المعقدة تأسيس فعل معارض, فعل مبني على تعارض مع العلاقات السائدة وليس مع شخوص, وهذا يفترض مؤسسات معارضة تحتوي الشخوص وليس العكس, التخلص من الشخصانية في السلطة يتطلب التخلص منها في المعارضة, والتأسيس المعارض هنا هو فعل جدوى عارض أيضا وليس أبدياً, بمعنى اننا يجب ان ننحي الخطاب الذي يستمد جذوره من شبكة الملفوظات التي لها بعد ترميزي شخصاني وهذه الشبكة هي التي نجدها في بحران الأيديولوجيات المعارضة والمتعارضة أصلا, وإلا كيف يمكن ان نفسر هذا التوالد الفطري للأحزاب والمجموعات التي تتطلى أحياناً خلف تسميات حقوقية أو مدنية? انها في جزء منها حفلة ترميزية مشخصنة, ولنتحدث بصراحة أكبر أن العامل الخارجي لم يعد يبني رهاناته على شخوص في القطب المعارض, بل يريد مؤسسات تحملها بنى مؤسسية حقيقية وبرامج ليست قرآنية المحتوى وشعرية المفردة, بل هي برامج متحركة بتحرك الفعل السياسي بتشابكاته المعقدة داخليا واقليميا ودوليا, ونحن لا نؤسس لفعل عمالة للغرب أو للعالم لأن الغرب الآن هو العالم ولم يعد مجديا إبقاء الشحنة الدلالية المرذولية نفسها لمصطلح الغرب, كما كان عليه الحال أيام الحرب الباردة, فالغرب أصبح في الشرق أيضا وفي افريقيا واميركا اللاتينية وبين ظهر انينا والغرب أصبح فينا, والغرب لم يعد أميركا وحدها أو الحلف الأطلسي, عندما ترسل كوريا واليابان والاكوادور جنودها الى العراق أو افغانستان مثلا لأنهم جزء من هذا العالم وليس لأنهم جزء من الحلف الاطلسي, لأن الغرب أصبح الآن كل العالم, كل الجهات, هذه النقطة هي ما تحتاج الى مواجهة مع الذات! وهنا يتداخل الأمر بطريقة مريبة: ان هذه الحالة لاتجد ما تستند عليه سوى - تحالف وتبادل المصالح والكراهية بين الاستبداد المزمن والاسلام السياسي المزمن أيضا, هنا يجد هذا الخطاب أجواءه وطقوسه وشعرياته المفضلة, ويتفرع عنه تأطيرات اقلاوية تتلطى تارة بالخوف من الأكثرية وتارة تتلطى خلف همروجة العلمانية كل هذا في ظل بقاء الشحنة الدلالية نفسها لمفهوم الغرب عند الجميع, هنا يأتي بالنسبة لنا عنصر اضافي ومهم في تحديد هويتنا كمعارضة: نحن من هذا العالم وليس لدينا نموذج تاريخي لعالم آخر, هذا من جهة ومن جهة أخرى:

معارضتنا هي في هذا العالم ووفق موازين قواه وحركيته وتاريخيته.

خاص – صفحات سورية -

 

صفحات السياسة 4:51 pm


صبحي حديدي

للسنة الخامسة علي التوالي، قامت منظمات غير حكومية عديدة، في طليعتها التحالف الدولي ضدّ عقوبة الإعدام ، بإحياء اليوم العالمي لمناهضة هذه العقوبة، والذي يصادف العاشر من شهر تشرين الاول (أكتوبر) من كلّ عام.

ورغم الجهود الهائلة التي بذلتها وتبذلها تلك المنظمات، والشيوع التدريجي المضطرد لثقافة رفض عقوبة الإعدام علي نطاق حقوقي وسياسي عالمي، فإنّ أرقام الأحكام التي تمّ تنفيذها سنة 2006 ليست البتة أفضل حالاً من أرقام السنوات الماضية.

وتشير تقديرات منظمة العفو الدولية إلي أنّ العدد الإجمالي لأحكام الإعدام، التي يُنتظر تنفيذها في أية لحظة، يتراوح ما بين 19,185 و24,646 شخصاً؛ وأنّ ما تمّ تنفيذه بلغ 1,010 في الصين، و177 في إيران، 82 في االباكستان، و65 في العراق، وقرابة هذا الرقم في السودان، و53 في 12 ولاية امريكية (وينتظر حوالي 3,350 سجيناً، في أمريكا، تنفيذ أحكام بالإعدام اعتباراً من مطلع هذا العام). وحرصت المنظمة الدولية علي التذكير بأنّ جميع هذه التقديرات نسبية، ورجحت أن تكون الأرقام الفعلية أعلي ممّا هو معلن ورسمي، وأحياناً أعلي بكثير.

أمّا أنماط تنفيذ هذه العقوبة (إذ ثمة تنويعات وطرائق وأفانين!)، فقد شملت التالي: قطع الرأس (في السعودية)؛ الإعدام بالكهرباء (في الولايات المتحدة)؛ الشنق (في مصر وإيران واليابان والأردن والعراق والباكستان وسنغافورة ودول أخري)؛ الحقنة القاتلة (في الصين وغواتيمالا وتايلاند والولايات المتحدة)؛ الإعدام رمياً بالرصاص (في بيلاروسيا والصين والصومال وتايوان وأوزبكستان وفيتنام ودول أخري)؛ الرجم (في أفغانستان وإيران)… وقد أصدرت المنظمة تقريراً خاصاً حول إجبار الأطباء علي تنفيذ الإعدام بالحقنة القاتلة (أكثر من 1,000 حالة إعدام بهذه الطريقة، منذ عام 1982)، الأمر الذي يتناقض تماماً مع جوهر مهنة الطبّ، أي إنقاذ النفس البشرية وليس المساعدة في إزهاقها. ما لم تتوقف عنده منظمة العفو الدولية، إلا علي استحياء وفي سياقات أخري ذات صلة بحقوق الإنسان عموماً، هو القانون الشائن رقم 49 لعام 1982 الذي صوّت عليه ما يُسمّي مجلس الشعب في سورية، بناء علي اقتراح رئيس الجمهورية آنذاك، حافظ الأسد، ويقضي بفرض عقوبة الإعدام علي كلّ منتسب لجماعة الإخوان المسلمين . ذلك لأنّ هذا القانون يظلّ، في حدود ما أعلم شخصياً، الوحيد من طرازه في العالم المعاصر، الذي يحكم بالإعدام علي المرء استناداً إلي المعتقد الفكري أو الرأي السياسي، وليس بسبب أيّ جرم أو جناية أو خطأ ارتكبه العضو في الجماعة. صحيح، كما يحاجج أهل النظام، أنّ أية عقوبة إعدام لم تُنفذ رسمياً (ونكرّر: رسمياً، فقط، لأنّ المئات من منتسبي الجماعة قضوا في السجون تحت التعذيب) استناداً إلي القانون 49، ولكنّ التشريع قائم ونافذ اليوم، وجري مراراً إنزاله كعقوبة: خلال العامين المنصرمين وحدهما، أصدرت محكمة أمن الدولة العليا في دمشق أحكام إعدام بحقّ المواطنين أحمد مصطفي إبراهيم السيد (43 سنة)، يوسف عمر حسين (26)، محمد ثابت حللي (38)، فؤاد علي الشغري (44)، محمد أسامة سايس (31)، وعبد الستار قطان (65 سنة)…

ولعلّي استعيد هنا، في مناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، ذلك الاقتباس من الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، في مقالته الشهيرة تأملات حول المقصلة: المقاومة، العصيان، والموت ، 1966، الذي سبق لي أن استشهدت به في التعليق علي إعدام صدّام حسين: عقوبة الإعدام تقوّض حسّ التضامن الإنساني الوحيد غير القابل للنقاش، أيّ التضامن ضدّ الموت، ولا يمكن أن تُشَرْعِن تلك العقوبة إلا حقيقة مطلقة أو مبدأ أعلي واقعان ما فوق الإنسان . وأضاف كامو، في نصّ لامع وثمين سوف تظلّ الإنسانية بحاجة إلي الاهتداء به في كلّ نقاش حول الأمر: تنفيذ حكم الإعدام ليس مجرّد موت. إنه يختلف عن القضاء علي الحياة، كاختلاف معسكر الإعتقال عن السجن. إنه يضيف إلي الموت قاعدة، وإصراراً مسبقاً علنياً برسم الضحايا القادمين، وتنظيماً يشكّل في حدّ ذاته عذاباً معنوياً أشدّ رهبة من الموت. عقوبة الإعدام هي الجرم الأشدّ ارتكاباً عن سابق عمد وتصميم بين كلّ الجرائم، ولا يُقارن بها أيّ فعل إجرامي مهما كان محسوباً. ذلك لأنه كي تصحّ المقارنة، ينبغي علي عقوبة الإعدام أن تُنزل بمجرم أعلم ضحيّته مسبقاً بموعد موتها الرهيب علي يديه، وتركها منذ تلك اللحظة تحت رحمة شهور طويلة من عذاب الإنتظار. مثل هذا الوحش لا نصادفه في الحياة اليومية .

وكان يقيني، ويظلّ اليوم أشدّ رسوخاً، أنّ علي الديمقراطيّ العربيّ (خصوصاً ذاك الذي يعيش تحت وطأة نظام استبدادي دكتاتوري مقيت، ويناضل لإسقاطه وتغييره) أن يناهض عقوبة الإعدام أينما فُرضت، وأياً كانت الجهة التي تنزلها، وبصرف النظر عن أسباب إصدارها. وبهذا المعني فإنّ واجب الديمقراطي العربيّ، المتطلّع إلي غد أفضل لأبناء وطنه وللإنسانية جمعاء، أن يكون موقفه صريحاً في رفض عقوبة الإعدام من حيث المبدأ، في حدّ ذاتها، ولاعتبارات متشعبة: أخلاقية وحقوقية وفلسفية، من جهة أولي؛ وأخري تخصّ موقع الإنسان في النظام الديمقراطي، بصرف النظر عن طبيعة التناسب المطلوبة بين ضخامة الجريمة وشدّة العقاب، من جهة ثانية؛ ولأنّ النظام الديمقراطي لا يستبدل بربرية الطغيان بأخري ما تزال بربرية حتي بعد إخضاعها لعمليات دمقرطة علي أيّ نحو، من جهة ثالثة.

وثمة جانب آخر في مسألة عقوبة الإعدام، لا يخصّ الأنظمة الإستبدادية أو الشمولية أو الفاشية علي اختلاف طبائعها، بل ينحصر في البلدان ذات الأنظمة الديمقراطية العريقة، أياً كانت اعتراضات المرء علي صلاحية ديمقراطياتها، وفي رأسها الولايات المتحدة. ذلك لأنّ التقارير السنوية لهيئة الأمم المتحدة حول حال حقوق الإنسان في العالم، لا توفّر الولايات المتحدة الأمريكية، بل وأفرد لها استنتاجات رهيبة تذكّر بأفظع الممارسات التي اعتادت علي ارتكابها الديكتاتوريات النموذجية ، شرقاً وغرباً، وماضياً وحاضراً. بعض أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد التقرير السنوي لعام 1998، علي سبيل المثال الذي صار كلاسيكياً اليوم، قضوا في بعض السجون الأمريكية (بعد ان مُنعوا من دخول سجون أخري) ثلاثة أسابيع، ليخلصوا إلي النتيجة التالية حول عقوبة الإعدام بصفة خاصة: من الواضح أنّ اعتبارات مثل الأصل العرقي أو الإثني، والوضع الإقتصادي ـ الإجتماعي، عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت عقوبة الإعدام سوف تُفرض أو سوف تُستبدل بعقوبة أخفّ، وما إذا كانت ستنفّذ أم تُلغي بقرار أعلي صادر عن حكّام الولاية المعنية . كذلك استخلصت اللجنة أن تنفيذ أحكام الإعدام في الأحداث والمعاقين عقلياً يعدّ انتهاكاً صريحاً للميثاق الدولي حول الحقوق السياسية والمدنية.

علي الأرض، أي في قاعات المحاكم وأروقة التشريع وزنازين السجون، لا تبدو هذه الإدانة وكأنها جديرة بالمناقشة أو حتي بالتفنيد. فللمرّة الثانية خلال أقل من شهر واحد قررت السلطات الأمريكية تنفيذ حكم الإعدام برعايا دول أخري، وليس بمواطنين أمريكيين فحسب، دون التقيّد بالحدّ الأدني الذي تفرضه القوانين الدولية في حالات كهذه (أي السماح للمحكوم عليه بالإتصال بسفارة بلاده، والسماح لبلاده بإيفاد محامين للدفاع عنه، والسماح له بالاستئناف في هيئة قضائية دولية، علي سبيل الأمثلة)، وعدم الإكتراث بقرارات صادرة عن محكمة العدل الدولية (الممثل الأرفع للقانون الدولي!) تطالب صراحة باللجوء إلي إجراءات الحدّ الأدني تلك.

أكثر من ذلك، وبعد المجزرة المباغتة التي ارتكبها تلميذان أمريكيان في جونسبورو بولاية أركانسو قبل قرابة عقد من الزمن، طالب عضو مجلس الشيوخ جيم بيتس بسنّ تشريع يخوّل المحاكم فرض عقوبة الإعدام علي الأحداث من سنّ 11 عاماً، كما يخوّلها الحقّ في تقديم الحدث ابن العشر سنوات إلي المحكمة، بوصفه… رجلاً بالغاً! وإذا كانت الحكمة القديمة تقول إن القضايا الرديئة هي التي تسنّ القوانين الرديئة، فإن الحكمة المتفرعة عنها يمكن أن تقول: القضايا الرهيبة تفرّخ المشرعين الأغبياء/القتلة.

ولأنّ الولايات المتحدة تقف مع الصين في صفّ الدول الأربع الاولي الأعلي تطبيقاً لعقوبة الإعدام في العالم، فإنّ الوقوف علي ما بين الدولتين من تراشق لفظي حول المسألة كفيل بصناعة واحدة من أطرف أنساق الكوميديا السوداء، تلك التي تبكي بعد أن تضحك، وتميط اللثام عن النفاق في ذروة الشقاق! ففي الحقبة إياها، حين اعتمد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مبدأ الفوز بالثلاثة Win ـ Win ـ Win في توصيف جملة البروتوكولات التجارية التي تمّ توقيعها بين واشنطن وبكين، تعرّض فيليب موراي كونديت، المدير التنفيذي لشركة بوينغ آنذاك، إلي نقد شديد من بعض كتّاب الأعمدة في واشنطن بوست و نيويورك تايمز خصوصاً، بسبب صمته عن حال حقوق الإنسان في الصين. الرجل ردّ، دونما حاجة إلي تبطين ردّه ذاك بنبرة ساخرة: يا لمحاسن الصدف! لقد كنت في بكين أيها السادة حين عرضت أقنية التلفزة الأمريكية تلك المشاهد الوحشية لاعتداء الشرطة الأمريكية علي المواطن الأمريكي (الأسود) رودني كنغ!

للكتّاب أنفسهم، قال الرئيس الصيني: ولكن لماذا لا تعودون إلي تاريخ بلدكم أيها السادة؟ ما فعلناه في إقليم التيبت لم يكن سوي عملية تحرير للعبيد من نظام قنانة ينتمي إلي القرون الوسطي. أليس هذا بالضبط ما فعله رئيسكم أبراهام لنكولن ؟ ليس تماماً بالطبع، ولكنّ المقارنة لا تخلو من منطق براغماتي متماثل متطابق، هو أيضاً المنطق الذي استخدمه جيانغ زيمن في اختزال مجازر ساحة تيانانمين إلي حادث شغب توجّب قمعه بقوّة القانون، لا لشيء إلا لكي تتواصل الإصلاحات الإقتصادية في أجواء الإستقرار الضرورية، ولكي تسير خيارات السوق مثل سكين حادة النصل في قالب زبدة.

وعلي نحو أكثر تعقيداً من النواحي الفلسفية والحقوقية، في وسع العالم أن يستعرض مسرداً طويلاً لانتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، بل وشرعنة بعض هذه الإنتهاكات علي نحو دائم وفي الدستور الأمريكي نفسه. هنالك غياب تامّ لكلمة مساواة في الدستور الأمريكي، من حيث النصّ علي توفير ضمانات تكفل حقّ جميع المواطنين في الغذاء واللباس والمسكن والصحة والعمل والراحة والأجر المعقول إنسانياً، فضلاً عن الضمان الإجتماعي وحماية الأسرة والأطفال (قبل أيام معدودات وضع جورج بوش فيتو رئاسياً علي تشريع خاصّ يضمن علاج ملايين الأطفال، في ذروة مطالبته بزيادة مخصصات قوّات الاحتلال الأمريكية في أفغانستان والعراق). أيّ حقوق إنسان هذه، حين يكون في مدينة نيويورك 36 ألف مواطن مليونير و38 ألف مواطن يقتاتون علي النبش في صناديق القمامة؟ وأيّ حقوق إنسان، حين تثبت الأمم المتحدة أنّ المواطن الأمريكي ليس متساوياً أبداً أمام القضاء، وأنّ الأحكام الصادرة بحقّ الأمريكيين السود والآسيويين أقسي بثلاثة، وأحياناً بأربعة أضعاف، عن الأحكام الصادرة بحقّ البيض في قضايا مماثلة، خصوصاً تلك التي تنطوي علي أحكام بالإعدام؟

الإستبداد يزهق النفس البشرية لأنها في عرف المستبدّين أرخص من السائمة، فضلاً عن ضرورة تقديمها أضحية علي مذبح منجاة النظام؛ فلماذا تواصل بعض الديمقراطيات العريقة إنزال وتطبيق عقوبات الإعدام، إذا لم تكن خلف هذا الإصرار ثقافة عنف عريقة، متكاملة، و… لاديمقراطية؟

القدس العربي
آراء وقضايا 4:51 pm


سلامة كيلة

كتبت منذ مدة مقالاً بالعنوان ذاته: سياسة تقسيم العراق، أشرت فيه إلى أن الدولة الأميركية تسعى إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات على أساس طائفي وإثني: الأكراد في الشمال، الشيعة في الجنوب، والسنة في الغرب. لم أكن في مجال التنبؤ، بل كنت أحلل السياسة الأميركية في العراق، ليس كما تُعلن بل كما يمكن أن تمارس. أي ليس كما ترد في تصريحات المسؤولين بل كما ترسم في الإستراتيجيات. كل ذلك من أجل فهم الأهداف الأميركية، والخطوات التي يمكن أن تقدم الإدارة عليها، بعد أن تعالت الدعوة إلى الإنسحاب على ضوء النشاط المقاوم الذي كان (ولازال) يؤثر بشكل كبير على وجود القوات الأميركية هناك.

ولقد إنطلقت من أن المسألة أعقد من أن تفرض الإنسحاب مهما كانت الخسائر، لأن معركة أميركا في العراق هي معركة مصير، حيث أنها المحدِّد لوضع أميركا العالمي: هل ستبقى القوة الاقتصادية المسيطرة، أم تتراجع إلى المرتبة الثانية أو الثالثة؟ وهو ما جعل رؤية "المحافظين الجدد"، وهي الرؤية المعبِّرة عن عمق أزمة الشركات الاحتكارية الأميركية (وليس عن هوى، أو عن ميل فردي أو فئوي)، وبالتالي عن عمق أزمة الاقتصاد الأميركي كاقتصاد مهيمن، جعلها تقوم على عنصر حاسم يتمثل في السيطرة المباشرة على النفط والأسواق، من أجل تعديل الوضعية التنافسية في السوق العالمي لمصلحة تلك الشركات.

ولتحقيق ذلك، كان عليها أن تستدعي كل همجية التاريخ، وهمجية الرأسمالية، لكي تنجح. لهذا لم تلجأ إلى الحرب فقط، ولا إلى الاحتلال فحسب، بل لجأت إلى ما هو أخطر من ذلك. حيث أقدمت على مسألتين وحشيتين، هما: التدمير الشامل، أي تدمير البنى الاقتصادية وكل التطور المتحقق خلال أكثر من قرن. وكذلك القتل الشامل، قتل المجتمع. بمعنى أنها باتت تمارس عملية إبادة للمجتمعات لكي تضمن السيطرة على النفط. ثم المسألة الأخرى، وهي متممة ومتداخلة مع الأولى، وتتمثل في إستثارة الصراعات الطائفية التي كانت تتهمش خلال العقود الماضية مع الانتقال إلى "المدنية"، والدفع نحو تأسيس دول على أسس جديدة/ قديمة: طائفية ودينية وإثنية، وربما قبلية، انطلاقاً من المبدأ هائل الإنسانية: مبدأ حق تقرير المصير، الذي لم يعد يعني الأمم بل بات يعني الطوائف والأديان والقبائل.

كل ذلك من أجل تأسيس "مشيخات"، إمارات، دويلات هزيلة، متعادية. الأمر الذي يمنع كل إحتمال لنشوء مقاومة حقيقية للسيطرة الإمبريالية على النفط والأسواق.

لهذا كان تقسيم العراق أمراً قيد التنفيذ منذ جرى احتلاله. وكانت خطوات بريمر الأولى تشي بذلك، منذ أن دمر الدولة والعراقية وشكّل مجلس الحكم على أساس طائفي، ومن ثم فرض مفهوماً طائفياً للفيدرالية في الدستور المقرّ. وقبل ذلك، منذ الاستقلال "شبه" الكامل للمنطقة الكردية.

وكانت "نظرية الفوضى الخلاقة" تتضمن كل هذا المسار التفكيكي/ التفتيتي، لأنها قامت على النظر إلى المجتمعات انطلاقاً من كونها مجتمعات أديان وطوائف وإثنيات وقبائل، غير قادرة على العيش المشترك، مما يؤجج الصراعات المستمرة فيما بينها، لهذا يجب أن تعمل الدولة الأميركية على مساعدة كل منها على "تحقيق مصيرها"، وبالتالي استقلالها. وهذا هو الحل "الديمقراطي" الوحيد لتجاوز كل التناحرات القائمة. وحينما رفعت شعار الديمقراطية كانت تهدف إلى ذلك بالتحديد، وليس تأسيس دول ديمقراطية بدل الدكتاتوريات القائمة.

وإذا كانت الوقائع تنفي تلك الصراعات المزعومة، فقد عملت على إثارتها طيلة الفترة التالية للاحتلال. ولقد دعمت كل الأطراف الطائفية وعززت مواقعها. وأشركت كل من يمكنه أن يكون لاعباً في القتل وإستثارة الصراعات الطائفية. وعممت عبر الإعلام كل ما يشير إلى أن الصراعات هي صراعات طائفية، وكل ما يشير إلى الطابع الطائفي للقوى.

من زاوية أخرى، كان وجود الدولة الصهيونية يفرض الوصول إلى تأسيس دويلات طائفية على أنقاض الدولة التي أقامها الاستعمار على أساس إتفاقات سايكس/بيكو. لأنها دولة "طائفية"، حيث تقوم على أساس الدين: الديانة اليهودية، وليس على أساس قومي، رغم كل ادعاءاتها الأيديولوجية بأن اليهود هم قومية وشعب. وبالتالي ليس من الممكن استمرار دولة قائمة على أساس ديني في محيط يقوم (أو ينزع لأن يقوم) على أساس قومي. من هنا نبعت كل جهودها المناهضة لكل ميل قومي، و دفعها نحو تغذية كل ما هو ديني وطائفي. ومن هنا نبعت ميولها لإعادة صياغة الدول العربية التي شكلها الاستعمار على أساس جديد، هو الأساس الطائفي والديني. وهو ما أوضحته العديد من الوثائق التي تسربت، أو نشرت في مراكز دراسات.

إذن، إن دولة قائمة على أساس ديني لا يمكنها التعايش إلا مع محيط يقوم على الأساس ذاته. أو لا يمكنها تبرير وجودها إلا بتحويل المحيط إلى تكوينات مشابهة. هذا من الزاوية الأيديولوجية، لكن – ولأننا نعرف بأن المسألة ليست أيديولوجية تماماً- نكمل بأن الهدف من كل ذلك هو ضمان سيطرة الدولة الصهيونية، لأن تفكك وتفتت المنطقة العربية يجعلها القوة المسيطرة دون منازع، نتيجة كونها أداة في المشروع الإمبريالي (وألأميركي الآن) للسيطرة على النفط والأسواق.

وبالتالي فإن تبرير وجودها الطائفي هو أمر معنوي، لكن الهدف الأساس هو مقدرتها على سيطرة مديدة على كل المنطقة، عبر تفكيكها، وتدمير كل تطورها الذي تحقق خلال أكثر من قرنين.

ولأن الهدف هو التفتيت، فقد كان من الطبيعي أن ينتقل البحث في تقسيم العراق من السراديب السرية إلى العلن. حيث طرح كمشروع في مجلس الشيوخ ونال أغلبية الثلثين (رغم أنه –كما يقال- غير ملزم للرئيس)، ويمكن أن ينال الأغلبية ذاتها في مجلس النواب، وبالتالي أن يتحول إلى قانون. وهو يُطرح كـ "مخرج" لما آلت إليه الأوضاع الطائفية في العراق، ولما "أثبتته الوقائع" من أن التعايش بين الأديان والطوائف والإثنيات غير ممكن!! وبالتالي فهو الحل "الإنساني" و"الديمقراطي" الذي تُقدم عليه الإدارة الأميركية!!

إنها إذن، بعد أن أغرقت العراق في القتل والتهجير والصراعات الطائفية، عبر عملاء لها، كما عبر قوى متخلفة وُظفت في هذا المساق، تبدأ في التحضير لفرض الحل الذي خططت له منذ البدء: تقسيم العراق. وتحت شعار "إنساني"، وكصيغة إنقاذه من المجازر والدمار. رغم أنها هي التي تفعل كل ذلك. إنها تكمل "إنسانيتها" التي بدأتها بإزالة الدكتاتور من أجل "نشر الحرية والديمقراطية"، بتحقيق "الحل الإنساني" الوحيد، حل تفكيك العراق على أساس طائفي وإثني!!

هل أتت من أجل "نشر الحرية والديمقراطية"؟ ربما الجهلة وحدهم هم الذين ظلوا يصدقون ذلك. ولاشك في أن قانون النفط والغاز الذي يعملون على فرضه في "مجلس النواب"(وسيفرضونه)، يوضح عمق السبب الذي كان وراء الحرب والاحتلال (وهو ما أشار إليه بوضوح الرئيس السابق للبنك الاحتياطي الفيدرالي غرينسبان). وهو وضح سبب الميل إلى فرض التقسيم كذلك، لأن عراق مفكك (أو منتهي) هو الذي يسمح بتشكل دويلات هي أشبه بالمشيخات الخليجية التي لا حول لها ولا قوة سوى الخضوع للسياسات الأميركية. إن التقسيم هو "الخطة الاستراتيجية" التي تسمح بالسيطرة الدائمة على النفط. وبعد ذلك يجب قتل "الزوائد" من البشر، وتدمير كل البنى التحتية "غير الضرورية". وإبقاء كتل بشرية متناثرة فوق حقول النفط، هي ضرورية للخدمة فقط. لهذا نلحظ القتل الوحشي والتدمير الشامل، وهو ما يمكن أن يسمى: إبادة مجتمع. فالأميركيون يفعلون اليوم كما فعلوا حينما هاجروا إلى أميركا. إنهم يكررون المأساة ذاتها، تلك التي طالت الهنود الحمر. فهذا هو الشكل الذي يحقق الهيمنة المطلقة، والاستقرار طويل الأمد. وبالتالي الاحتكار "الأبدي" للنفط والأسواق.

لكن، لماذا وصلنا إلى هذا المنزلق؟

الحوار المتمدن

 2007 / 10 / 13

 

 

 

 

 

 

آراء وقضايا 4:50 pm

.

فلاديمير إيليتش المحترم , جاءني عدد من عمال دائرة البريد و التلغراف حاملين طلبا بأن ألفت انتباهك إلى المعلومات عن وضعهم الباعث على اليأس حقيقة . و حيث أن هذه المشكلة لا تقتصر على قوميسارية ( مفوضية الشعب ) للبريد و التلغراف فقط , بل يشمل الوضع العام للحياة اليومية في روسيا فإنني أسرع بتلبية طلبهم .

أنت تعرف بالطبع أن الحياة في منطقة ديمتروف اعتمادا على الراتب الذي يتقاضاه هؤلاء العمال مستحيل قطعا . من المستحيل حتى شراء مكيال من البطاطا بهذا الراتب , إنني أعرف هذا من واقع خبرتي الشخصية . في المقابل إنهم يطالبون بالصابون و الملح في حين لا يوجد أيا منها . بما أن سعر الطحين ارتفع – هذا إذا تدبرت الحصول على أي منه – فمن المستحيل شراء 8 أرطال من الحبوب و خمسة من القمح . باختصار بدون حصول العمال على إعاناتهم فإن قدرهم هو مجاعة حقيقية فعلا .

في هذا الوقت و مع أسعار كهذه فإن حصص الإعانة الزهيدة التي يتلقاها عمال البريد و التلغراف من مركز إمداد البريد و التلغراف في موسكو ( وفقا لمرسوم 15 آب أغسطس 1918 : 8 أرطال من القمح لكل عامل أو مجموعة عمال و 5 أرطال من القمح لكل خمسة أفراد عاجزين من أسرة واحدة ) لم يجر تسليمها في الشهرين الأخيرين بالفعل . إن مراكز الإمداد المحلية لا يمكنها توزيع حصصها , و التماس هؤلاء العمال إلى موسكو بقي دون جواب . قبل شهر راسلك أحد عمالنا مباشرة لكنه لم يتسلم أي جواب حتى الآن .

إنني أعتبر من واجبي أن أشهد أن وضع هؤلاء العمال يائس بالفعل . إن الأغلبية منهم تجوع بكل معنى الكلمة . إن هذا يتضح من مجرد رؤية وجوههم . يستعد الكثيرون منهم لمغادرة منازلهم دون حتى أن يعرفوا إلى أين يمكنهم الذهاب . و في هذه الأثناء , سأقول أنهم ينجزون أعمالهم بضمير حي , لقد دربوا أنفسهم على عملهم و إن خسارة عمال كهؤلاء لن تكون في مصلحة المجتمع المحلي بأي حال .

إنني سوف أضيف فقط أن كل فئات العمال السوفييت الآخرين تعيش نفس الظروف البائسة .

في الخاتمة لا يمكنني أن أتجنب ذكر شيئا ما لكم عن الوضع العام . إن كونك تعيش في مركز كبير – في موسكو – فمن المستحيل أن تعرف حقيقة الوضع عن الريف . كي تعلم الحقيقة عن الخبرات الراهنة , على المرء أن يعيش في المناطق البعيدة , في اتصال مباشر مع الحياة اليومية , مع حاجاتها و تعاستها , مع الأطفال و الكبار الجوعى و هم يركضون جيئة و ذهابا إلى المكاتب كي يحصلوا على موافقة على شراء مصباح زيتي رخيص و ما شابه .

هذه هي الطريقة الوحيدة اليوم لنا للخروج من مصائبنا . من الضروري التعجيل بالانتقال إلى ظروف أكثر طبيعية للحياة . إننا لن نستمر هكذا لفترة طويلة , و إلا فإننا قادمون على كارثة كبيرة . إن عربات الحلفاء المحملة بالقمح الروسي المصدر و القنب و الكتان و جلود الحيوانات و بقية الأشياء التي هي ضرورية جدا بالنسبة لنا لن يساعد الشعب .

هناك شيء واحد لا يمكن الاختلاف عليه . حتى لو كانت ديكتاتورية الحزب وسيلة مناسبة للإطاحة بالنظام الرأسمالي ( الشيء الذي أشك فيه بقوة ) إلا إنها ضارة لقضية بناء نظام اجتماعي جديد . الضروري و الذي نحتاج إليه هو مؤسسات محلية , قوى محلية , لكن لا يوجد أي منها اليوم في أي مكان . عوضا عنها و حيثما يدير المرء عينيه هناك أشخاص لم يعرفوا أبدا أي شيء عن الحياة الواقعية , الذين يرتكبون أفدح الأخطاء و التي يدفع ثمنها آلاف الأرواح و خراب مناطق بأكملها .

 خذ إمداد الحطب , أو بذار الربيع في الموسم الأخير …

بدون مشاركة القوى المحلية , بدون التنظيم من الأسفل للعمال و الفلاحين أنفسهم , من المستحيل بناء حياة جديدة .

يبدو أنه على السوفييتات أن تخدم هذا الغرض بالتحديد , غرض خلق منظمة من الأسفل . لكن روسيا أصبحت جمهورية سوفييتية بالاسم فقط . إن الاندفاع و التغلب على الشعب من قبل الحزب , و بشكل أساسي القادمون الجدد ( الشيوعيون الإيديولوجيون أكثر عددا في المناطق المدينية ) , قد دمر تأثير و الطاقة الإيجابية لهذه المؤسسة الواعدة – السوفييتات . في الحاضر إنها لجان الحزب , وليست السوفييتات , التي تحكم روسيا . و إن تنظيمها يشكو من نواقص المنظمة البيروقراطية .

للابتعاد من الفوضى الحالية يجب على روسيا أن تعود إلى عبقرية القوى المحلية التي أراها , قادرة على أن تكون عاملا في خلق حياة جديدة . و كلما تم فهم هذه الضرورة بسرعة أكبر كان هذا أفضل . سيكون الشعب حينها أكثر استعدادا لتقبل الأشكال الاجتماعية الجديدة للحياة . إذا استمر الوضع القائم فإن كلمة "الاشتراكية" نفسها ستتحول إلى لعنة . هذا ما جرى لفكرة "المساواة" في فرنسا لأربعين عاما بعد حكم اليعاقبة .

 

مع التحيات الرفاقية ,

 

ب . كروبوتكين

ديمتروف , 4 آذار مارس 1920

ترجمة : مازن كم الماز